La ville de Béja a été proposée par
[Zouheir B.Youssef] le 24/06/2009 à 23:55:32
Géographie
Histoire
de Béja
خانات منسية في مدارات الذاكرة الوطنية
مثال مجزرة هنشير الصفصافة بباجة
د. زهير بن يوسف ( جامعي تونسي)*
نقطة معتمة في الذاكرة الوطنية تلك التي تخص ما أقدمت عليه سلطات الحماية الفرنسية من انتهاكات في حق أبناء الشعب التونسي بذريعة التعاون مع القوات النازية و النسيان الذي ران على ضحايا تلك الانتهاكات و لا سيما منهم من دفعوا حياتهم ضريبة لانتمائهم إلى هذا الوطن مثلما هو الحال بالنسبة إلى شهداء هنشير الصفصافة ، عمادة بوحزام ، معتمدية باجة الشمالية .
مصــــــادر الشهادة
وثّقنا هده الشهادة بالأساس انطلاقا من الملاحظات الميدانية التي جمعناها من الموقع الذي كان مسرحا لهذه المجزرة و هو ضيعة هنشير الصفصافة و مقبرة المكان ، و من جملة الحوارات التي أجريناها مع عدد من المواطنين الذين عايشوا تلك الأحداث أو كانوا معنيين بها مباشرة و في مقدمتهم الأستاذ بنعيسى بن يوسف المحامي( ت2003 ) نجل الشخصية الأولى التي استهدفتها المجزرة و ظلّ اسمها في الذاكرة الجماعية مقترنا بها نعني الشهيد عبد الكريم بن يوسف ( 1881 – 1943 ) .
احتكاك مع المعمّرين
كان عبد الكريم بن محمد بن الحاج منوّر بن يوسف واحدا من رموز الأرستقراطية المدينية المحلية (1)، و بحكم موقعه الاجتماعي كملاّك عقاري فضلا عن ثقافته التقليدية المحافظة كان مرشحا لعسر التلاؤم مع ظاهرة الاستيطان الزراعي التي كانت جهة باجة بسهولها الخصبة و مواردها الفلاحية الغنية واحدا من أبرز مراكز ثقلها بالبلاد ، و لذلك فبقدر ما كانت يده مبذولة للحركة الوطنية كانت علاقاته مع سلطات الحماية و ممثليها المحليين على عكس بعض الوجاهات المحلية الأخرى غير ودّية . وكان مدار صراعه المضمر معها ذا واجهة مزدوجة اجتماعية و اقتصادية زيادة على المضمون السياسي .من ذلك أنّه كان يقاطع المآدب التي دأب المقيم العام بيروطون (1933-1936 ، 1940 ) على إقامتها و لا يشارك فيها (2)، و لا يولي أي اعتبار للمراقب المدني و لا يعبأ بالقايد/ العامل ممثّل السلطة الأهليـة و بالتزامن مع ذلك اشتد الاحتكاك بينه و بين المعمرين انطلاقا من أواخر العشرينات لمّا ركّز نشاطه الفلاحي على الوقوف في وجوههم بتشغيله للعمّال التونسيين الذين كانوا يتعرّضون لاضطهاد الأجانب و إصراره على مزاحمة المعمرين و منافستهم في المزادات ، وقد كانت أشهر نزاعاته العقارية مع لوباز وهو معمّر بوادي الزرقاء ، ذلك النزاع الذي خسر فيه المعمّرون رهانهم ضدّه بعد أن نجح في إقامة دعوى ضد المعمّر المذكور الذي أراد التراجع في إتمام إجراءات بيع ضيعته للفلاح التونسي بعد أن كان قد فوّت له فيها مستغلا مناخ القمع الذي عمدت السلطات الاستعمارية تسليطه على الشعب التونسي خلال حكم الماريشال بيتـــان نتيجة لما عبّر عنه غالبا من ميول نحو قوات المحور على إثر انهزام فرنسا و اجتياح القوات النازية لترابها ، و تمكّن من كسب القضية ممّا زاد في تكثيف المشاعر العدائية نحوه .
تحقيق حول المجزرة
تمثلت ملابسات المجزرة في الفترة التي تحولت فيها البلاد التونسية فجأة إلى ميدان مباشر للعمليات الحربية بين المحــــور و الحلفاء بداية من نوفمبــــــر 1942 و تحديدا حينما كان الجيش البريطاني الأول يتقدم باتجاه محاصرة جيوش رومل على مستوى جبهة الشمال الغربي التونسي ، و كانت أراضي عبد الكريم بن يوسف واقعة على طرفي الجبهة في مستوى عمادة بوحــــزام من معتمدية باجـــــــــة الشمالية اليوم و إحدى العمادات الراجعة بالنظر إلى المراقبة المدنية بماطر آنذاك ،هنشير الصفصافة كان واقعا في آخر الواجهة لدى الأنقليز في حين كان هنشير القـــــريّات واقعا في دائرة نفوذ الألمان أي في المناطق التي كانت قوات المحــــــــور و جيوش الحلفاء تتنازع السيطرة عليها . و قد رفض الشيخ أن يترك أرضه أو يغادر مقرّ إقامته الريفي رغم إلحاح أهله الذين خيّروا أن يستقر بهم المقام في منزل العائلة بالمدينة . و ممّا شجّعه على المكوث حيث ينبغي أن يدير أعماله أنّ أربعة من أبناء عمومته كانوا يقيمون بمعية عائلاتهم في نفس المجـــــــال الجغرافي و على مسافات قليلة التباعد فرارا من الغارات التي استهدفت بعض المواقع بباجة المدينة نعني الحــــاج عبـد الله بن يوسف (ت1950) و هو دستـوري من مناضلي الرعيل الأول و أحد أبرزالأعضاء المؤسسين للجــامعة الدستـــورية بالمكان (18/4/1934) و عبد الرحمان بن الصادق بن يوسف الذي كان والده مستشــــــــارا بلديا و الصغير بن الحاج منور بن يوسف والد المناضل رشيد بن يوسف الذي سيفقد في هذه المجزرة الرهيبة اثنين من أبنائه كما أنه سيفقد في اليوم الموالي لها حياته قـهرا و عثمان بن عبد الرحمان بن يوسف الذي سيفقد أيضا أحد أبنائه .
و لمّا كان كلّ من نور الدين بن يوسف و حمادي بن يوسف يدرسان بمعهد كارنو بالعاصمة ، وقد منعتهما ظروف الحرب من الالتحاق بمقر إقامة عائلتيهما بهنشير القريّات فقد أرسل لهما والدهما وكيله لاستقدامهما عبر ماطر بعد أن جهّزه بالخيل و الرجال و بعد أن تمّ إعلام المراقب المدني بباجة و الحصول على موافقته بخصوص طريقة العبور من جبهة إلى أخرى . و في الأثناء كان الجيش البريطاني يرصد هذه التحركات عن بعد ، على أنّ تراجعه عن المجال المذكور بسبب تقدّم قوات المحورعلى مستوى هنشير الشرشارة و عودته إلى السيطرة الميدانية عليه من جديد ترافق مع حضور ضابطين من الاستخبارات الألمانية إلى هنشير الصفصــافة و طلبا طعاما لم يكن بإمكان العامل الذي صادفاه هناك و هو المسمّى ابن الصادق أن يرفضه لهما ، و ما إن تمّت معاينة العملية حتى كانت المكيدة قد استكملت آخر حلقاتها ، هذه هي رواية الأستاذ بنعيسى بن يوسف . و تذهب رواية أخرى أكّدها السيد عبد الستار القسطلّي ، وهو من أبرز الرموز الحيّة للذاكرة الجمعيّة المحلّية بالجهة، أنّ الذريعة كانت على ما تواتر وشاية أنهاها المسمى محمد البدوي إلى أسماع الخليفة بمركز العمل آنذاك (عبد العزيز س ) لتصل تباعا إلى كلّ من القايد محمد العجيمي (1938 - 1943) فالمراقب المدني روبار كليمون (1940-1943) وصولا إلى الجنرال ألفراي أندرسون قائد الجيش البريطاني الأول الذي اتخذ بتحريض من الفرنسيين قرارا عسكريا تعسفيا بإعدام كلّ من يكون حاضرا بموقع الحادثة المزعومة من الذكور رميا بالرصاص دونما تحقـيـــق و لا محاكمة .
المجــــــــزرة = مكيدة مدبّرة أم وشاية كيدية ؟
يوم 11 مارس 1943 كان 1500 جندي أنقليزي من الجيش لبريطاني الأول الذي اشتهر بكرهه للأهالي و حقده عليهم و سلوكاته الاستفزازية نحوهم يحاصرون المكان حيث قاموا بتمشيط كل المباني بحثا عن وثائق و خرائـــــط مزعومة لم يجدوا لها أثرا ، و لمّا أعيتهم الحيلة بادروا بإيقاف كلّ من وجـــــــد بالضيعة من الذكور ، و على شفا قـــــليب أعدّ للغرض تمّ تنفيذ الحكم الأعمى بالموت رميا بالرصاص في عشرة أشخاص (3)، تسعة منهم تونسيون و عاشرهم مغربي ، هم كلّ من =
1) عبد الكـــريم بن محمــد بن الحاج منوّر بن يوسف (62 عاما)، فلاّح .
2 ) محمد منوّر بن الصغير بن الحاج منوّر بن يوسف (30عاما) ابن عم الأول .
3) الطاهـــــــر بن الصغيّر بن الحاج منوّر بن يوسف (25عاما) شقيق السابق.
4) نـــور الدين بن عثمـان بن عبد الرحمان بن يوسف (18عاما)، طالب .
5) محمد الكــــــــوشادي ، رئيس العملة .
6) منـــور بن الصغير الجعيدي ، عامل .
7) فرحات بن الصغير الجعيدي ، عامل ، شقيق الأول .
8) حمــيدة بن منصور ، عامل .
9) حامد بن مبروك بن أحمد الطبوبي ، عامل .
10) حارس ليلي مغربي الجنسية ( لم نتمكّن من ضبط هويته ).
و جالت أيادي الجنود في الضيعتين نهبا و إتلافا و حرقا و لم ينسحبوا إلا بعد أن أصرّوا على ترك الشهداء العشرة في العراء لمدّة يومين بلياليهما و تهديد كلّ من تسوّل له نفسه مواراة جثمان أي واحد منهم الثرى . و في صبيحة يوم 12 مارس أسلم الصغير بن الحاج منور بن يوسف الروح قهرا بعد أن كان قد فقد ابنين له في اليوم السابق و ظلت زوجته السيّدة خديجة بنت عبد الرحمان بن يوسف تواجه هذه النكبة بمفردها ثمانية وأربعين ساعة بصبر و تجلّد يعجز عنهما حتى أشجع الرجال . و لم تنج الضيعـــــــات الموجودة في الجوار من الانتهاكات إذ تمّ تمشيــطها بالكامل و صدرت الأوامر باقتياد كلّ نزلائها من النساء و الرجال و الأطفال مشيا على الأقدام لعرضهم على مركز الفرز بمقرّ المراقبة المدنية بباجـــة و لم يسلم من هذه الإجراءات المهينة و الحاطّة بالكرامة حتّى قاضي البلد محمد الأمين السعيــــــــــّد (ت 1946 ) نفسه . فهل كانت هذه الانتهاكات مختلفة عن تلك التي كان الجيش النازي قد مارسها في أوكرانيا أو في أورادور بفرنسا ؟
ناج من المجزرة
لم ينج من موت كان محققا إلا رشيد بن يوسف (1921-1976) الذي سيكون واحدا من أبرز رموز قيادات الحركة الوطنية على المستويين الجهوي و الإقليمي (4)، ذلك أنّه تحوّل يوم الواقعة إلى ضيعة والده الشيخ الصغير بن يوسف ، وقد كان خالي الذهن من المجزرة التي ستحلّ بها ، و لكن حال وصوله إلى الموضع المسمى عين بلد حاصره الانتشار الأنقليزي ممّا اضطره إلى أن يقفل راجعا إلى مقر سكنى العائلة بباجة و لولا الحاجز العسكري الذي حال اعتباطا دونه و العبور إلى حيث أراد أن يمضي لكان حتما في عداد الموتى .
كلمة ختـــــــام
هذه عيّنة من سيرة شهداء الوطن المنسيين و ضحايا انتهاكات القوى الاستعمارية ولعل الواجب الوطني الأدنى إزاء ما قدموه يتمثل في إعادة الاعتبار لهم بإدراج أسمائهم في السجل القومي لشهداء الوطن و أن تنقش أسماؤهم في ذاكرة الأجيال بحروف من ذهب إجلالا و اعتبارا وأن تقام لهم مسلّات تذكارية على غرار تلك تنتصب بقصر مزوار تخليدا لمعركة 1مارس 1943التي أوقفت فيها جيوش الحلفاء النازيين و " أنقذت" باجة و تلك التي تنتصب بسيدي نسير تخليدا لدحر الفرنسيين الهجوم الألماني الأول في 21 نوفمبر1942.
الهـــــــوامش =
1) Pellissier(P) = Description de la régence de Tunis p 32-34&229-231 2) تحتفظ الذاكرة الجمعية المحلية بالمقابل بملزومات من الشعر الملحـون تشنّع بمن " تعاون" أو تخاذل..(... خطب خطبة ما تسواشي ، خذا نيشان بلاشي ، يجـــــــري و يتلفت وراه ...)
3)أشار سعيد المستيري في كتابه المنصف باي ج1ص191(بالفرنسية) أنّ الشهداء كانوا 14 جميعهم من عائلة ابن يوسف ، وهذا غير دقيق ، و ذكر الحبيب المنكّبي في كتابه ذاكرة مناضل ص 19 أنّ الضحايا كانوا 13 ، وهذا أيضا غير دقيق ، و الأضبط هو ما ذكرنا .
4)البلهوان(علي)= تونس الثائرة،ط.تونس1957ص48،المنكبي(الحبيب)= ذاكرة مناضل ط تونس 2003 ص ص 64،93. أسهم رشيد بن يوسف بدور متقدم في الكفاح المسلح و كان مقر سكناه مركزا لإيواء المقاتلين و مداواة الجرحى منهم ، أوقف مرارا من قبل سلطات الحماية وتعرض محل سكناه للمداهمات تكرارا كما سجــــــن مرّات من ذلك حادثة 20أوت 1952 عندما دخلت قوات الاحتلال بيته و بيت اثنين آخرين من قادة جامعة الحزب هما علي الزلاوي( 1915 – 2000 ) و مصطفى خلفـــة ( 1917 – 2001 ) و ألقت القبض عليهم جميعا بعد أن دسّت في منازلهم الأسلحة و الذخيرة و تمّ في نفس الوقت إيقاف عبد العزيز البحري ( ت 1993 ) الأمين العام لنقابة المزارعين المنتجين ،انتدب رشيد بن يوسف في مطلع الاستقلال معتمدا بالمكنين ثم عّين مندوبا عاما للحزب بالكاف ، استقال احتجاجا و رفض وساما.
• جامعة تونس ، كلية العلوم الإنسانية و الاجتماعية 9 أفريل .
• المصدر= جريدة الصباح التونسية ، الأحد 14 أكتوبر 2007 ص 10
Tourisme
Economie
Education
Art et
culture
"أفلا ترى أنه لم يزل في كل قطر و عصر
أولياء تذل لهم ملوك الزمان و يعاملونـهـم
بالطاعــة و الإذعــان".
عمر بن علي الراشدي
ابتسام الغروس و وشي الطروس
بمناقب أبي العباس أحمد بن عروس
ط. تونس 1303/1885 ص 264
الزاوية و السلطة السياسية
زاوية الصمادحي بباجة أنموذجا
مـــدخـــل
تحتل الزوايا و الأضرحة و مقامات الأولياء و المزارات عامة موقعا متميزا في المخيال الإسلامي قد يضاهي في أهميته لدى بعض الشرائح الاجتماعية الموقع الذي تحظى به أماكن العبادة الرسمية نعني الجوامع و المساجد و قد يتفوق عليه وذلك بحسب المكانة التي تقتلعها هذه المنشآت الروحية داخل الأفق الذهني للمجموعة و بحسب الأدوار و الوظائف التي تضطلع بها في حياتها اليومية، و هي مكانة تكتسي بجلال المقدس و حضوره، ذاك الذي يمنح المكان مع مرور الزمن هالة من الإشعاع لا مثيل لها تستمد مشروعيتها بالأساس من مدى قدرتها على رسم الخلاب من الوقائع و إضفاء أفانين من البطولة الأسطورية على صورة الولي، وهي أفانين تجد مبرراتها في ما يهفو إليه لاوعي الذات الإنسانية المنسحقة و المثقلة بالإحباطات من ارتجاء للخلاص و تطلع إلى تجاوز ما يعتمل في دواخله من مشاعر القصور و العجز و الإحساس "بالدونية" باتجاه تجديد الفعل في الواقع الموضوعي و تحقيق تفوق مرجو فيه. و هذا ما يتوفر عليه بالتحديد أدب المناقب و لا ينصب الاهتمام لديه على نخب الثقافة الرسمية و فئات أعلى الهرم الاجتماعي و إنما على الصوت المغيب و الرافد المطموس و التعبير الدفين داخل نفس المحيط المتغلب ذاك الذي نستقطبه في سماء المثل و تكرسه على أرض الواقع شخصية الولي بما تشهره من نماذج القدوة القيمية و السلوكية.
و إذا كانت المصادر التاريخية الكلاسيكية غالبا ما تضيق بمثل هذه الأصوات فتقصيها و تتعالى عليها فتتجاهلها فإن النص المنقبي يستدعيها و يحتفل بها أيما احتفال، بما يجعل هذا النص في أحيان كثيرة و رغم ما قد يصطبغ به من طابع عجائبي ليس أقل قيمة من النص التاريخي في استجلاء الكثير من الجوانب الاجتماعية و الثقافية التي ما تزال معتمة في تاريخ المجتمعات بل إن هذه المدونة المغيبة قد ترتقي إلى مستوى المصدر الدفين (1) من مصادر التقاط الخبر التاريخي، مصدر قد تكون وشائج قرباه من الواقع التاريخي أوثق و أوسع من المصادر التاريخية المألوفة ذاتها.
و ما ينطبق في هذا الصدد على الجيل الأول من النصوص المنقبية التي ظهرت داخل المجال الإفريقي في القرن XIII/VII ينطبق، و في إطار مراعاة الفارق النوعي، على السير الأنموذجية التي حبرت للنماذج الولائية التي عرفتها البلاد التونسية خلال الفترة الحديثة مثلما هو الحال بالنسبة إلى الزاوية التي استلفتت انتباهنا بالأدوار التي اضطلعت بها و لا سيما في القرن XVIII و تخصيصا خلال الصراع الباشي الحسيني و شدتنا بسير الأعلام الذين ارتبطت أسماؤهم بها و هي سير تستحضر بشكل أو بآخر الأطراف النائية و البسطاء و المهمشين و تعبر عما يعتمل في دواخل المجموعة من آمال و آلام و ما تستبطنه من مكابدة و معاناة و ما ترنو إليه من طموحات و تطلعات، ذلك هو شأن إحدى زوايا "داخل البلاد" ألا وهي زاوية الصمادحي بباجة في القرن XVIII .
باجة مركزا صوفيا
تعود جذور الظاهرة الولائية بهذه الجهة حسب ما تفيدنا به المصادر المنقبية و التاريخية على حد سواء إلى القرن X/IV يستوي ذلك مجالها الحضري و مجالها الريفي. فقد أفادنا ابن الفرضي ( ت 403/1013) أن المحدث أبا أحمد محمد ابن محمد بن أبي سعيد كان يعيش بها، "حدث و كتب الناس عنه" و "كان رجلا صالحا" عرف بالزهد و الورع و التقوى (2).
و أخبرنا أبو طاهر الفارسي أن شخصيتين صوفيتين من أصحاب محرز ابن خلف ( ت 413/1022) كانتا تعيشان بمدينة باجـة هما:
- أبو محمد من الله الكراني الباجي (ت بعد440/1048) و قد قاد بها حملة التصفية الجسدية التي استهدفت من كان بها من الشيعة عام 406/1015(3 ).
- أبو الحسن علي بن أبي سعيد " وكان شيخا جليلا سمحا كل ما يملك للفقراء و كانت له أخبار معهم." (4)
أما ابن الطواح فقد أحاطنا علما بوجود أحد أقطاب التصوف السني بالمجال الإفريقي بها و هو أبو محمد عبد الله الهرغي ( كان حيا 668/1269)"الشيخ الصالح المتزهد" الذي استقر بمسجد التوبة حيث مقر سكناه، و الظاهر أن تصوفه كان عالما بدليل أن "شبان البلد و كهوله كانوا يخرجون إليه تبركا و أخذا للعلم عنه" (1 ) و بدليل اصطدامه بأبي الحسن الششتري (ت 688/1269) تلميذ ابن سبعين (ت 669/1270) أبرز أعلام التصوف الفلسفي بالمغرب الإسلامي في عصره و ذلك تحت إملاءات مرجعيته السنية. ومن أبرز من تتلمذ له أبو علي الحسين بن محمد الطبلي (ت بعد 688/1269) "الأديب النحوي" و هو الذي تلقى عنه العبدري عند اجتيازه بباجة في طريقه إلى المشرق سنة 688/1269.
و يذكر لنا أبو الحسن علي الهواري (ت بعد 664/1265 ) محرر مناقب بعض أولياء مدينة تونس أنا أبا عفيف صالح البلطي (2) الشيخ الصالح المبارك ( كان حيا 633/1236) و هو أبرز أصحاب أبي سعيد الباجي ( 628/1231) أحد "أخيار إفريقية السبعة"، فقد استقر به المقام في مجالها الريفي عند واحد من أكثر معابرها خطورة و هو جبل أبي قطران عند سفوح مرتفعات خمير حيث أسس زاوية ارتبط إنشاؤها بنشر التعاليم و تأمين السبيل و قطع الطريق على قطاع الطريق و تغلغل الولاية في النسيج السكاني القبلي.
و الظاهر أن تأثير المدرسة الشاذلية في التصوف الإفريقي لم يقتصر على المعاقل التقليدية للحركة الصوفية مثل تونس و القيروان و الساحـــــل و الجريد و إنما امتد أيضا إلى المناطق الطرفية بدليل انتساب أحد الأربعــــين أصحاب أبي الحسن الشاذلي (ت 256/1258) و هو سفيان الباجي (3) (ت675/1276) الملقب " بالشيخ العارف "إلى هذه المنطقة، و قد كان لهذا" الولي الصالح" إسهام في تعزيز المشروع الصوفي و توسيع دائرة مريديه بحكم ما اضطلع به من مهام نظرية و تربوية فيه. و مما يدعم الامتداد المذكور سياحة أبي الحسن علي الحطاب (ت 671/1272)، وهو طليعة الأربعين أصحاب الشاذلي، بمعية أصحابه بها (4) و كان رفيقه أحمد المزوغي (ت 667/1268) ،"أحد رجال الشرف" ، يتردد عليها أيضا في عدد من الأتباع و المريدين.
و قد استمرت باجة قطبا جاذبا للصلحاء خلال الفترة الوسيطة من ذلك أن أحمد بن عروس (ت 868/1463) قد "وقف مدة على باب جامعها" لما ظهرت عليه أمارات الولاية (5).
و في هذا الطور أيضا ظهر أبو يوسف يعقوب بن ابراهيم الطنقي (XV/IX ) "الشيخ الفقيه العدل"، "كان من الصالحين و ممن يشهد بين الناس بلا أجر" برز بتصديه للموحدين"، و هو واحد من أهم الـــــرواة الذين اعتمده أبو القاسم ابن ناجي (ت 839/1435) في إكماله "لمعالم الإيمان" و تعليقه عليه.(1)
و لعل الفترة الحديثة هي أكثر الفترات التي ستبلغ فيها الثقافة الصوفية العالمة أقصى درجات تعينها و أكثر الفترات التي ستشهد فيها مؤسسة الزاوية مبلغ حضورها انتشارا و وظائف و أدوارا، و قد كان ذلك مع قدوم القطب الصوفي الشيخ بابا علي الصمادحي، أصيل قبيلة مصمودة، من المغرب الأقصى- و غالب صلحاء هذه الجهة و أوليائها يأتون من الغرب- مما يكرس أقصى بلاد المغرب مركزا مميزا في ترويج الفكر الصوفي، و استقراره بباجــة مع بدايات العهد التركي حيث سيؤسس زاوية و سلالة ولائية ستكون لها الأدوار الأولى في الحياة الروحية و الزمنية بالمدينة في القرنين XVII وXVIII أشار إلى ذلك كل من محمد الصغير بن يوسف (ت 1771) و الــــــــوزير السراج (ت 1737) و أحمد بن أبي الضياف (ت 1874) و ألمح إلى ذلك المنتصر بن المرابط بن أبي لحية القفصي في نور الأرماش.
زاويتان في زاوية
زاوية الصمادحي أو الزاوية الصمادحية زاويتان تقعان في نفس الجوار تعرف أولاهما اليوم و هي أكبرهما و أكثرهما أوقافا بزاوية سيدي بابا علي (2) و تعرف ثانيتهما بزاوية سيدي بلقاسم و هي و إن كانت تتمتع بنفس المظهر المعماري جلالا و ضخامة إلا أنها تنتصب على مساحة صغيرة بالقياس إلى مساحة الزاوية الأم . (3)
تقع الزاويتان في سرة المدينة العتيقة جنوبي "المكمدة" أحد نطاقات الحيز العمراني القديم بالبلد، ستين مترا غربي الركن الشمالي الغربي للجامع الكبير داخل باب العين، و لا يفصل بين المبنيين سوى نهج يــــــتـردد بين الاتساع و الضيق يحمل بدوره اسم علم آخر من أعلام هذه الأسرة المرابطية العريقة في انتسابها إلى الأرستقراطية الدينية المحلية هو أحمد الصمادحي و قد كان فقيها عالما و شيخا مدرسا و كان في الوقت نفسه مباشرا لخطة الإفتاء. (4)
فأما الزاوية الصمادحية الكبرى فمن مآثر القرن XVII/XI أو قبيل ذلك بقليل إذ يعود إنشاؤها إلى ما قبل سنة 1031/1622 و هي سنة وفاة أبي الغيث القشاش الذي عاصر الشيخ بابا علي الصمادحي مؤسس هذه الزاوية واتصل به و قد يكون أخذ عنه "علوم القوم" في رحابها. و في الفضاء الجنائزي من هذا المعلم يثوي الشيخ المؤسس و ترقد في جواره كريمته السيدة عزيزة الملقبة "بذات الكمال" و قد اشتهرت هي الأخرى بالولايـــــة و الصلاح.
و أما الــــــــــزاوية الصمادحية الصغرى فمن مآثر القرن XVIII/XII و تحتضن رفات أبي الفضل قاسم الصمادحي "الشيخ المعتقـــــــــــــــــد" (ت 1149/1737 أو 1150/1737) و تقع عشرين مترا جنوبي الزاوية الصمادحية الكبرى.
و إذا كانت المصادر التاريخية ضنينة بأخبار الزاوية الأولى أول نشأتها أي على كامل امتداد العهد المرادي، و كأنها لم تضطلع فيما عدا الأدوار الروحية و التربوية و الاجتماعية المألوفة بأي دور آخر من تلك الأدوار التي ستنخرط فيها بالأساس الزاوية الثانية و لا سيما في خضم الصراع الباشي الحسيني خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر و هي أدوار الانقباض عن السلطان و التورع بالتزامن مع تكريس وظيفة الزاوية الملجأ أي الوظيفة الحمائية و هذا ما سنجد صداه في المصادر التاريخـــــية الكلاسيكية و في ما بلغنا من النصوص المنقبية – على قلتها – علاوة على وثائق الأرشيف مما يبرر اختيارنا لها و تركيزنا عليها إلا أن هذا لا يمنع من الإشارة إلى أن هذا الدور و هو سياسي ليس غائبا عن تاريخ الزاوية الأولى و لكن بوجه مغاير هو وجه الانبساط مع السلطان في مرحلة ما من مراحل تطور هذه المؤسسة الروحية تشهد على ذلك الفرمانات أو الأوامر العلية التي ما تزال بحوزة أحفاد الولي المؤسس و هي صادرة عن الباب العالي، من ذلك:
ـ الـفـرمــان الـهـمـايونـي الـصـادر عـن الـسـلـطـان الـعـثـمـانـي مـراد الـرابـع
(1623-1640) في رمضان 1034/1624 إلى الشيخ علي الصمادحي "القطب الفرد"(1).
ـ و الفرمان الهمايوني الصادر عن السلطان العثماني محمد الرابع (1648-1687) في شهر ربيع الأول 1060/1650 إلى الشيخ بدر الدين ابن علي الصمادحي " قدوة الصلحاء و السالكين". (2)
الزاوية معلما معماريا
يحتل مبنى زاوية الصمادحي المختصر و هي المؤسسة الروحية التي نهتم بها في هذا البحث، فضاء يمسح حوالي مائة متر مربع يستأثر منها حرم الزاوية أي قاعة الصلاة بواحد وعشرين مترا مربعا و تحوز الحجرة الجنائزية سبعة عشر مترا مربعا في حين يمتد الصحن ، وهو رواق صغير مستطيل مكشوف خال من المجنبات على مساحة تقدر بحوالي تسعة عشر مترا مربعا، و بأقصى ركن الصحن مقصورتان يبدو أنهما كانتا مفضيتين إلى بعض ملحقات الزاوية مما صار اليوم في تصرف الخواص هي مقر سكن الولي و هو مبنى متصل مباشرة بالزاوية هو إلى الآن على ملك بعض أحفاده، و فضاء آخر مكشوف لا بنيان فيه حاليا، على أن اتساعه من ناحية و وقوعه في المحيط المباشر للزاوية من ناحية أخرى يرجح ما تذهب إليه بعض الروايات الشفوية من أنه كان يحتوي على حجرات لاستقبال المريدين و إيواء الأتباع خربت في نهاية القرن XIX (3).
و لا تتصل هذه المنشأة الروحية بالطريق العام إلا من جهة واحدة هي الجهة الشمالية، و لا غرابة في ذلك فالزاوية جوفية المفتح و واجهتها الخارجية الرئيسية كذلك. و تتميز هذه الواجهة بالارتفاع النسبي لجدرانها قياسا إلى ما حولها و ما في محيطها من مبان تميزها باختتام أعاليها بتتويجة من القرميد الأخضر المقعر و هي نفس التتويجة التي تبرز قبتي المقام، قبة قاعة الصلاة و قبة حجرة الولي الجنائزية، و تضفي عليها مسحة جمالية مميزة.
و تشد هذه الواجهة الانتباه بباب الزاوية الأوحد و هو باب خشبي ذو مصراعين (215م x1م ) لا يحتوي على عناصر زخرفية ذات بال ما عدا المسامير ذات الرؤوس نصف الكروية التي يرصع بها الباب التونسي التقليدي عادة، و هو من التأثيرات المعمارية الأندلسية، فضلا عن المدقين. و يتميز هذا الباب بإطار الكذال المستطيل الذي يجري معه أفقيا و عموديا في مستوى الساكف و القائمين و ينفتح على جانبيه شباكان متوازيان يحميهما فاصل من الحديد المشبك تنتظمه أشكال هندسية متماثلة.
ننفذ من هذا الباب مباشرة إلى الصحن (7.25م x 2.5م) عبر ردهـــة ضئيلة، و في هذا الحيز ينتصب أمامك من جديد نفس المشهد الخارجي تقريبا باب خشبي مستطيل (2.37م x 1.35م) تعلوه شمسية / قمرية نصف دائرية و ينفتح عليه من كل جانب شباك بنفس أحجام الشباكين الخارجيين و مواصفتهما. إنها واجهة قاعة الصلاة و الحجرة الجنائزية المتصلة بها و هما الحجرتان اللتان لا تنفصل إحداهما عن الأخرى إلا بفاصل من الخشب المزخرف بطاقات من المفصصات المفرغة يعرف "بالحجبة" و كأن هذا الجدار الخشبي لم يتخذ إلا ليضبط حدود أجل فضاءات الزاوية و أقدسها و هو قطعا ذاك المتصل بمرقد الولي.
و "بيت الصلاة" هذه قاعة كبرى مستطيلة (7.20م x 3.20م) أرضيتها مبلطة كما هو شأن بقية المقام بالجليز التقليدي و جدرانها سامقة تنتصب فوقها قبة مهيبة ضخمة متفردة بخاصياتها المعمارية التمييزية عن قباب المعالم الدينية الموجودة بالبلد (1) هي أشبه ما يكون بقبو مستطيل منتصف الاستدارة مختوم بقطع نصف دائري في مستوى طرفيه كأنما تشكل من اجتماع قبتين على زاوية قائمة.
أما الحجرة الجنائزية فمربعة أو تكاد (4.10م x 4.05م) و هي ماثلة على يمين الداخل تعلوها قبة نصف دائرية واسعة سامقة بنفس ارتفاع القبة السابقة، تنتصب على أربع سوار ذات تيجان تركية قدت من الحجر الكلسي علوها إلى حد رؤوس التيجان 2.30م، فهي على هذا متوسطة الارتفاع. و يظهر أن خطة المعماري قد اتجهت إلى إحكام إضاءة المكان و تهوئته عبر نظام الشمسيات أو القمريات ففتح في رقبة كلتا القبتين ثماني نوافذ مربعة صغيرة (0.75م x 0.75م) استدعت لوحاتها الزجاجية تشكيلة الألوان المعبرة في المخيال الديني عن الجنة نعني الأخضر و الأزرق و الأحمر و الذهبي مما يدعم الطابع الروحي في عمارة المقام.
و عقود هاتين القبتين كالقبتين ذاتهما متراوحة بين الاستدارة و الشكل البيضوي. و القبتان خاليتان فيما عدا المقرنصات و التجويفات الصدفية الركنية من أية عناصر زخرفية و كأنهما تحتفيان بطابع البساطة الذي ظل يميز هذا النوع من المنشآت الروحية في غالب فترات تاريخ إفريقية الوسيط و الحديث .
و لعل أبرز ما يميز الحجرتين فضلا عن القباب المحراب و التابوت. ففي صدر "بيت الصلاة" ينتصب المحراب و هو عبارة عن حنية ذات مسقط نصف دائري متناهية في البساطة قطرها 1.18م و شعاعها 0.80م و ارتفاعها 2.60م. و يحمل هذا المحراب قوسا حدودية و تقوم هذه القوس على عمودين من الرخام ارتفاعهما إلى حد رأس التاجين 1.73م يعلو كل واحد منهما تاج من الطراز التركي لا يضاهيهما إلا باقي سواري هذا الفضاء الأربع و هي من الطراز نفسه، و يكتنف حنية المحراب وقوسه إطار مستطيل من الرخام المحلي المعروف بالكذال.
و يتوسط الحجرة الجنائزية مرقد الولي و هو عبارة عن ضريح في غاية البساطة لا يحمل أية نقيشة أو علامة روحية مميزة ما عدا مشهده فقد اتخذ شكل عمود تتوجه عمامة و تلك علامة جنائزية شاعت في البلاد التونسية مع بدايات العهد التركي لتمييز أضرحة "علماء الظاهر" و أضرحة "علماء الباطن" عن غيرها من الأضرحة. و ينتصب على الضريح تابوت خشبي عتيق ضخم ما يزال على حالة من التماسك حسنة حليت جنباته بأشكال هندسية تذكر بأشكال الخشب المرقش المعروف بالأرابيسك أما مشهد التابوت فتزينه بعض السناجق أو الرايات هي ككل الأعلام التي تشترك في الاختصاص بها سائر الزوايا ذات ألوان ترشح بالدلالات الروحية المألوفة في المخيال الشعبي.
تاريخ الزاوية في تاريخ واليها
تاريخ هذه الزاوية بالتأكيد في تاريخ وليها ذلك أننا و إن كنا نفتقر إلى النقائش أو أي نوع آخر من الوثائق ذات الحوامل المكتوبة التي من شأنها أن تضبط لنا تاريخا محددا لابتناء هذا المعلم فقد وجدنا في بعض المصادر التاريخية و في بعض وثائق الأرشيف العقاري الخاص ما ساعدنا على تذليل كثير من العقبات التي اعترضتنا في هذا الصدد، كما أن الطراز المعماري الذي ينتظم المبنى، و التأثيرات العثمانية بادية فيه بشكل واضح، قد مكننا إلى حد لا يستهان به من تحقيق مرمى الطموح المذكور.
يخبرنا المؤرخ محمد الصغير بن يوسف (1692-1771)، أصيل مدينة باجة و دفينها. و هو معاصر للشيخ الصمادحي، أن الولي كان على قيد الحياة سنة 1147/1735 و كان مقيما بزاويته بباجـــــة (1)، و قد كانت هذه الزاوية قائمة بعد و متمتعة برصيد من الهيبة و الحصانة ينبئ أنها لم تكن حديثة عهد بالظهور و لا بالبناء مما يرجح أنها من مآثر القرن XVII/XII ، أوائل هذا القرن بالتحديد أي بدايات العهد الحسيني الأول إن لم يكن قبل ذلك بقليل أي أواخر العهد المــــــــرادي و بالتالي في تاريخ و إن تنزل في نفس الحقبة التاريخية تقريبا إلا أنه ليس بقريب من تاريخ تأسيس زاوية الصمادحي الأولى و إن كنا قد رجحنا من موقع افتراضي أن الزاوية الصمادحية الكبرى قد بنيت قبل سنة 1031/1622 بناء على تتلمذ الولـي أبي الغيث القشاش المفترض للشيخ الصمادحي بها، و هو ما أنكره الشيخ القشــــاش و لكنه أفادنا عن غير قصد منه طبعا أنه كان معاصرا له من ناحية و منافسا له من ناحية أخرى ناهيك أنه صاحب فضل عليه إن لم يكن قد بلغ قبله أعلى درجات سلم التراتب المعرفي و السلوكي عند الصوفية نعني القطابة، فقد صار متأكدا لدينا اعتمادا على الفرمـــان السلطاني الصادر عن الباب العالي إلى " قدوة الصلــــــحاء و السالكين" الشيخ علي الصمادحي (2)، و فيه حديث عن زاويته، أن هذه الزاوية قد تأسست قطعا في تاريخ قريب من سنة 1034/1624 أي في بدايات العهد التركي. كما أن فرضية انتماء الزاويتين و إن بشيء من التباعد إلى نفس الفترة التاريخية تجد مشروعيتها في المميزات المعمارية التي تختص بها الزاويـــــتان و تشتركان فيهما و تتفردان بها عما سواهما من المنشات الروحية و هي مميزات تحيل بوضوح على العمارة العثمانية . فمن هو الشيخ الصمادحي الثاني؟ و ما الذي حدا به إلى الانفصال عن الزاوية الصمادحية الأم و الانفراد بمنشأة روحية مستقلة ؟
الشيخ الصمادحي قطبا للزهاد
في ضبط هويته اختلاف بين النص المنقبي و المصادر التاريخية و لكن بالرغم من أن الوثائق المنقبية أضحت من النصوص الثواني لالتقاط الخبر التاريخي بل مصدرا من مصادره الدفينة إلا أنه لا يمكن هاهنا الوثوق به تمام الوثوق ذلك أن النص المنقبي في قضية الحال جاء متأخرا عن المصادر التاريخية و الوثائق ذات الصبغة العقارية، ففي حين يشير النص المنقبي (1) إلى الشيخ الصمادحي الثاني بوصفه نجلا للشيخ الصمادحي الأول أي ابنا له أو ابنه الأوحد في ذات اللحظة التي يشير فيها إلى لــلا عزيزة "الولية الصالحة المعتقدة" بوصفها من نسل الشيخ المؤسس أبي الحسن علـــــي الصمادحي، و الحال أنها ابنته، تفيدنا المصادر التاريخية (2) و الرواية الشفوية على حد سواء أن الشيخ الصمادحي الثاني الملقب "بقطب الزهاد" ليس نجلا للشيخ بابا علي بحصر المعنى و إنما هو من أنجـــــــاله أو بلفظ آخر نجلا له بالمعنى الموسع لكلمة نجل كما استقرت في المعجم الصوفي المحلي أي حفيدا للولي بقطع النظر عن موقعه من درجات تواصل السلالة: إنه بالتحديد حفيد للشيخ الصمادحي الجد من الدرجة الرابعة و هويته بالكامل وفقا للشجرة النسبية لآل الصمادحي بباجة كما وصلتنا هي:
أبو القاسم بن ابراهيم بن محمد بن ابراهيم عرف حمودة بن أبي البركات ابن بابا علي الصمادحي (3) و يكنى بأبي الفضل،
بحيث تغدو سلالة الصمادحي الولائية إلى حدود سنة 1150/1737 كما يلي:
أحمد ابراهيم
[احــمـيدة] [حــمـــودة]
محمد علي
ابراهيم
أبو العلاء عبد السلام بدرالدين حسونه البكري عبد الفتاح
الحاج محمد
و في اسمه تردد مازال موجودا إلى اليوم بين بلقاسم و قاسم و يبدو أن هذا التردد ليس وليد الساعة إذ تضمنت بعض العقود التي تخص بعض أنجال ولينا و تعود إلى ثلاثيات القرن XVIII هذا التردد نفسه (1)
أشاد بذكره الشاعر الصوفي الشهير محمد المنزلي (ت 1248/1832) حامل لواء الطريقة القادرية في عصره في قصيدته الميمية الموسومة بمدحة رجال باجة عادا إياه في طليعة زهادها و أخيار رجالها و أقطاب مشايخها حيث قال:
ببـــــــــــــاجة قوم خيرون كــــرام عليهم من المولى رضى و سلام
أبو الحسن السامي علي الصمادحي له رفعة بين الورى و احـــــترام
كذا نجله الأزكى أبو القــــاسم الذي له في ذوي العز المكين مقـــــــام
و من نسله ذات الكمال عزيــــــزة لها في مقامات الرجال ازدحام (2)
(بحر الطويل)
و ما انفكت ذكراه تستلفت انتباه غير واحد من أعلام المديح الصوفي في القرن XIX كما هو حال ابن بلده الحاج ميلاد الجواني الغربي الشريف (ت 1259/1843) الذي نوه به في قصيدته ساكن بغداد (3) بقوله:
نجل الأسياد يا بلقاســـــــــــــم قطب الزهاد خبرك شايع
في كل بـــــــــلاد شوف لحالي واجل الأنكــــــــــــــــــاد
و لطالما استغاث به في مناجاته و هو الذي بلغ مرتبة القطابة و تمثل به في خلواته و هو الولي العارف إذ قال:
"و ينو جاري، بلقاسم المشكور يزيـــــــــــــل غياري
هذا عن سيرته الأنموذجية ، أما إذا أردنا إعادة تشكيل سيرته الواقعية فيكون لزاما علينا أن نشير إلى أن الشيخ بلقاسم الصمادحي:
- شخصية صوفية عامة بدليل رصيد الهيبة و الاحترام الذي كان يحظى به إذا ما سلمنا جدلا بمصداقية شهادة النص المنقبي بصرف النظر عن طابع التضخيم الذي يمكن أن تصطبغ به ذلك أن أخبار مناقبه شائعة في الإيالة كلها مما يدعم ما يمكن أن تكون قد تمتعت به هذه الشخصية الولائية من صيت و ما اقتلعته من مواقع داخل المخيال الديني السائد و ما مارسته عليه من تأثير.
- واحد من كـــــبار أعلام التجربة الولائية في عصره إذ شهد له النص المنقبي بالمكانة المرموقة التي كان يتبوؤها في ديوان الأولياء و لم يتردد مؤسس الزاوية القادرية الثانية بباجة الحاج ميلاد الشريف في نعته يقطب الزهاد مما يشي بالدور النظري و التربوي الذي قد يكون اضطلع به في دفع المشروع الصوفي في "حاضرة التلال و مأوى قراه" و بالفعل فإننا نعرف أن الشيخ بلقلسم الصمادحي كان يعقد بزاويته مجلسا للفقه و آخر للذكر مجسدا بذلك أنموج الولي المدرس و مثال التجربة الولائية العالمة.
- زاهد ناسك بما يعني أن تجربته الولائية تجربة إلى جانب بعدها النظري المفترض ذات أساس سلوكي حجر الزاوية فيه اعتزال مجالات النشاط الاجتماعي و السياسي العام و التحفظ السلبي على مجمل الأحداث الدامية التي استجدت في البلاد التونســــــــــية في أواخر العهد المـــــــــــــــــرادي و بالخصوص خلال الصراع الباشي-الحسيني، تحفظا اتخذ لبوسا سلوكيا تمثل في حصر الطاقة في الأنشطة الروحية و العلمية خاصة بعد أن استقر التصوف علما من العلوم الشرعية . و إذا كانت مصادرنا تسكت عن روافد تكوينه المعرفي و طبيعتها فمن المفروض أن يكون قد تلقى تعليمه الأساسي بمسقط رأسه خاصة أن مدينة باجة قد برزت خلال هذا الطور من جديد مركزا ثقافيا و علميا من الدرجة الوسطى.سيرتقي بسرعة إلى واحد من أبرز معاقل الحركة العلمية بالإيالة بعد الحاضرة بمعية القيروان و سوســــــــــــة و صفاقس و جربة و قابس و الجريد (1) و من غير المستبعد أن تكون رحلته المشرقية برسم أداء مناسك الحج و القيام بالزيارات سانحة لتعميق تكوينه و التتلمذ لعلماء مصر و الحجاز و بيت المقدس و هي الأماكن التي كانت النخب الدينية تجتاز بها في ترحالها إلى المشرق للقيام بالفريضة.
أما عن تكوينه العرفاني فالظاهر أنه تلقى "علم القوم" عن الشيخ بدر الدين بن علي الصمادحي الذي انتصب للولاية بالزاوية الصمادحية الكبرى خلال النصف الثاني من القرن XVII . و مهما يكن من العصر الحسيني الأول إلى الشيخ بلقاسم الصمادحي.
على أنه ما كان لتقاطيع هذه السيرة أن تحجب عناصر أخرى قد تضاهيهما أهميــــة و قد تتفوق عليها نعني بذلك:
- المثل الأعلى الولائي الذي جسده الشيخ الصمادحي
ـ العلاقة بمجرى الأحداث السياسية و الاجتماعية في عصره
ذلك أن المتتبع لتطور زاويتي الصمادحي بباجة و لأخبار مختلف الشخصيات الولائية التي ظهرت بكل منهما خلال القرنين XVII و XVIII على وجه الخصوص يلاحظ تراجع الجانب الكرامي في تقاطيع حياة هذه الشخصيات و ضمور العجيب و الخلاب في سلوكياتها و شبكة علاقاتهما مما يرجّح انضواء تصوفها في إطار المرجعية السنية و ينزاح به عن الصيغة الغالبة على التصوف المغاربي في هذه الفترة و هي الصيغة "العامة" إلى صيغة جديرة باستقطاب النخب هي الصيغة العالمة و يجعل عالم الواقع في سيرها أطغى من عالم الممكن وهذا ما يجعل هذه السير سيرا واقعية و بالتالي تراجم أكثر منها سيرا مثالية أو أنموذجية و بالتالي مناقب. و لعل أكثر ما يشد الانتباه في سير هذه الشخصيات الروحية فضلا عن تكريسها لنماذج ولائية مختلفة صلتها القوية بالمجتمع و مواقفها من السلطة السياسية و ردود فعلها إزاء مجريات الأحداث في عصرها، فالأنموذج الولائي الذي تكرسه أنموذجان:
- أنموذج الولي المتوكل و هو يتبنى مثلا ولائيا أعلى قوامه العيش على الهبات و العطاءات و الهدايا و قبول "الفتوح" ، و قد هيمن هذا الأنموذج على زاوية الصمادحي الأم و لا سيما في زمن التأسيس و اتساع النفوذ الروحي مما يبرر من بعض الوجوه الموارد القارة التي أصبحت الزاوية الصمادحية تتمتع بها و الإقطاعات الواسعة التي صارت تتصرف فيها (1) علاوة على العقارات ، و يتجسد هذا الأنموذج بامتياز في الشيخ المؤسس بابا علي الصّمادحي و الشيخ بدر الدين بن علي الصّمادحي تشهد على ذلك الصلات الوثيقة التي كانت تشدهما تباعا إلى الباب العالي و من ثمة إلى بايات تونس المراديين بشكل خاص الأمر الذي جعل الزاوية، زيادة على سلطتها الروحية، ذات نفوذ اجتماعي حقيقي، و سيتواصل هذا التقليد في القرن XVIII من خلال الشيخ علي بن حمودة الصمادحي كبير أعيان هذه الأسرة الولائية الذي كانت تربطه بعلي باشا صداقة شخصية و كان الباشا يوغل في إكرامه و تبجيله (2) كما كان يحظى بالمكانة نفسها لدى الأمير يونس باي المحالّ. و قد كان من الطبيعي أن يكرس هذا الأنموذج الولائي نمطا محددا من العلاقة بالسلطة قطب الرحى فيه التعاون مع ولــــــــي الأمر و التعامل مع السلطان.
- أنموذج الولي المتورع و هو الذي يجسده بامتياز الشيخ أبو القاسم الصمادحي مؤسس زاوية الصمادحي الثانية و مثله الولائي الأعلى التورع عن قبول الهدايا و العطاءات و الترفع عن الإغداقات المادية و الزهد في الدنيا و الإقبال على "الفقر"، و قد كان من الطبيعي أن ينتعش لدى هذا النمط من الأولياء ذلك الأنموذج الذي عرفته إفريقية ـ البلاد التونسية في تراثها الصوفي القديم و الوسيط نعني أنموذج الولي المنقبض عن السلطان الرافض لكل تعامل معه المنقطع عن أية علاقة به، إنه أنموذج الولي الذي أمّن لسلطان الولاية قاعدته الاقتصادية الضرورية.
و إذا كان الأنموذج الأول يمثل المثل الأعلى الولائي الذي بات رائجا في البلاد التونسية في العهد العثماني فإن الأنموذج الثاني و إن ظل متقلصا و أقليا إلا أن ذلك لم يمنعه من المحافظة على حيويته و نجاعته و استقطاب تأييد المجموع العام للناس و اتخاذهم منه أنموذج قدوة خاصة أنه لم يكن محايد إزاء قضاياهم و لنا في موقف أهالي باجة من الشيخ علي بن حمودة الصمادحي الذي انتهت إليه مشيخة زاوية جده دليل على ذلك. فعلى إثر رفضهم سنة 1159/1746 الانصياع لتعليمات علــي باشا و ابنه يونس باي بإخلاء مدينتهم قطعا لأي تموين قد يستفيد منه "الصف الحسيني" الذي كان ينافسهما على عرش تونس مدعوما بوجق الجزائر (1) طلبوا من الشيخ الصمادحي أن يعزز موقفهم و دعوه و هو الولي المتعاون إلى التأسي بسيرة سلفه الشيخ أبي القاسم في بذل قصارى جهده من أجل تأمين حياة مواطنيه و حمايتهم من تجاوزات الباشا و تهديدات أعوانه (2).
هذا الدور الحمائي لمؤسسة الزاوية و هذه الوظيفة الدفاعية التي لوليها يؤكدان على الحضور المكثف الذي كان للشخصيات الولائية الفاعلة في المجتمع التونسي في القرن XVIII و على طبيعة ما كانت تمارسه من سلطة و تجسده من سيطرة بالقياس إلى سلطة القضاة و الفقهـــــاء و سيطرتهم بل بالقياس إلى سلطة الدولـــــــــة نفسها و سيطرتها. فكيف تشكلت في شخصية الشيخ أبي القاسم الصمادحي نماذج القدوة القيمية و السلوكية؟ و ما هي الظروف الذاتية و الموضوعية التي تظافرت من أجل تمحيضها ؟
لم تبق ذكرى الشيخ الصمادحي وليا عالقة بالذاكرة الجماعية و لم تنتقش بها إلى اليوم إلا لشديد اتصالها باحتضان آمال فئات قاعدة الهرم الاجتماعي و تلبيتها لأماني المجموعة و تحقيقها لتطلعاتها ليس بصورة رمزية مثلما هو الشأن بالنسبة إلى النماذج الولائية السائدة في المخيال الشعبي و إنما تحقيقا فعليا لا تحتضنه سماء الكرامات بقدر ما تحتفي به أرض الواقع ،إذ تفيدنا تقاطيع سيرة سيدي أبي القاسم الصمادحي أن زهد ولينا لم يكن مجرد تجربة سلوكية عدمية قوامها اعتزال الواقع الاجتماعي و السياسي و الانقطاع عن كل تعامل نشيط مع شؤون الحياة اليومــــــية و إنما كان مسلكا اتخذ لبوسا روحيا يكمن وراءه موقف يمكن أن ننعته بالفكري صادر عن موقف الانفعال بالواقع الاجتماعي و السياسي انفعالا سعى أن يشق لنفسه طريقا و أن يؤسس لها وجودا مؤثرا في خضم التسلط الاجتماعي و الاستبداد السياسي و الحروب التي عصفت بالإيالة التونسية في أواخر العهد المرادي و بدايات العهد الحسيني نتيجة الصراع على السلطة ، و لم تنعكس تداعيات هذا الوضع المتفجر على الفئات المهمّشــــــــــة فحسب و إنما طالت النخـــــــــــب الاجتماعية و العلمية و بلغت الزعامات الروحية أيضا.
- فقد تضررت المدينة و إقليمهما أيما تضرر من سياسة الإجحاف الضريبي التي انتهجها البايات المراديون و الحملات العسكرية التي كانت ترافقها وقد بلغت ذروتها في عهد مراد الثالث (1699 – 1702) حينما أعلنت مدينة باجة مدينة مستباحة و هذه شهادة ابن أبي الضياف: "خرج مراد بوبالة بمحلة الصيف إلى باجة و فعل بأهلها ما هوّن عليهم فراق الوطن فخرجوا منها إلى الشعاب و الأودية و تركوها خاوية على عروشها فكان يجوس خلالها ليلا نهارا بعسكره و كل ما يجده من الدواب لمملوكه يجعله هدفا للرصاص (1)
- وبحكم موقعها الحصين و وقوعها في طريق الغزوات القادمة من الغرب كانت معاناتها من حملات وجق الجزائر على تونس مستديمة ،ففي سنة 1117/1705 "انتهى الجزائريون إلى باجة فأقاموا عليها و طلبوا من أهلها الطعام و ما احتاجوا إليه و أصروا على الإيقاع بهم فاشتد الخطب عليهم فخرجوا منها و ضاقت بهم السبل" (1)
- و قد بلغت معاناة المدينة منتهاها حينما امتدت سياسة التسلط إلى نخبها العلمية و الروحية حبسا و قتلا بسبب موقفها المتحفظ من حروب الحكام يستوي في ذلك "أعيان فقهائها" و "كبار بيوتها" و "مشايخ زواياها" ، فقد أمر الداي محمد خوجة الأشقر في 19 أكتوبر 1705 بإعدام سبعة من علماء باجة شنقا تحت صومعة جامع الزيتونة بالحاضرة منهم:
- أبو العباس أحمد بن محمد الكديسي من أجل فقهاء باجة و أعيانها
- أبو الحسن علي بن علي الصمادحي "الجناب العليّ و المقام الرضيّ" من سلالة القطب الفرد أبي الحسن سيدي علي الصمادحي" (2)
و ما كان لمثل هذه الأحداث العاصفة أن تترك أيا كان علي الحياد فما بالك بنخب العامة و قياداتها الروحية و خاصة منها تلك التي كانت تتمتع بمساحة من الحصانة لم يكن بإمكان قهر السلطة أن يحتقرها. و بالفعل فإن واقع الأزمة هذا هو الذي كان فيما يبدو وراء انشقاق الشيخ أبي القاسم الصمادحي عن الزاوية الأم التي لم يؤثر عنها أي رد فعل احتجاجي إيجابي على ما لحقها من إهانة و انتهاك ما عدا "اشتمال القلوب فيها على بغض الداي محمد خوجة الأشقر " و انطلاق الألسن و ارتفاع الأكف بالدعاء على القاتل" و هو شكل من أشكال انتقام المجتمع من السلطة السياسية بواسطة الأولياء. و من ثمة تأسيسه لمنشأة روحية مستقلة سينقطع فيها لممارسة طقوسه الخاصة و سيتفرغ في إطارها للأهداف الروحية و الاجتماعية التي ربط بها مشروعه الصوفي و يقوم بالأساس على التورع و الانقباض عن السلطان و المراهنة على سلطة الكلمة و في هذا الموقف من "قطب الزهاد" ما يشي بأن هذه الشخصية الولائية لم تكن محايدة و لا هي بالضرورة تمثل السلم كما يذهب إلى ذلك أصحاب النظرية الانقسامية (1) و إنما كانت شخصية مرتبة في سلّم المجتمع منتمية إلى حركة التاريخ مندرجة في التركيبة الاجتماعية بدليل انخراطها العضوي كما سيتبين لاحقا في الصراع الهادئ مع السلطان السياسي و الفئــــــــات الاجتماعية المتسلطة و انحيازها الموصول إلى الفئات الاجتماعية المهمشة و "من ليس للسلطان به حاجة" بعبارة صاحب المشرع الملكي. و مما يؤكد الدور الفاعل الذي اضطلعت به هذه الشخصية داخل المجتمع الحضري و هو نفس الدور الذي سيتواصل في زاوية الصمادحي بالخصوص مع الشيخ محمد الصمادحي نجل الولي و هو بدوره شخصية ولائية، ليس فقط داخل المجتمع الحضــري و عـــــــــــــــالم المديـنـة و إنـمـا أيـضـا داخـل الـمـجـتـمـع الـقـبـلـي و فـي عـمـق عـالم الـباديـــــــــــة حـــــــــادثة ســــــــنة
1147/ 1735 بين ولينا و حسين بن علي العاهل الحسيني الأول.
ـ فقد صدرت تعليمات الباي الجديد بإخلاء المدينة كليا و إجلاء سكانها بالكامل، "و قد كان أهلها، و العبارة لابن أبي الضياف ، يلاقون بالخروج من ديارهم ما يهون عليهم الموت"
ـ و قضت الأوامر و الناس على موسم الحصاد و جمع المحاصيل الزراعية أن ينتقلوا بالإقامة إلى العاصمة و أن يأخذوا معهم كامل ممتلكاتهم المنقولة و أن يتركوا مزارعهم سائبة و مدينتهم و دورهم على الحالة نفسها حتى لا تستعين منهم القوات الباشية بمدد.
ـ و تجند من أجل تطبيق هذه التعليمات عامل البلد أحمد الغربي و قائد الحامية / وجق الصباحية مسعود كاهية.
و لكن الولي المنقبض عن السلطان قرر أن يقف في وجه هذه الاحتياطات الأمنية المتعاودة التي أثقلت كاهل الأهالي و أنهكتهم اجتماعيا، فأعلن عن رفضه الانصياع لأوامر الــــــــــباي و عبر بالمقابل عن عدم استعداده لمغادرة المدينة و تحصنه بزاويته، و حمى الزوايا لا يجترئ أي حاكم على انتهاكه، و ذلك بمعية أهله و من دخل في حماه و بالتالي تحت حمايته من سكان البلد (1) و تقول بقية الخبر أن تطورات الأحداث لم تمهل الباي لمعالجة موقف الشيخ الصمادحـــــي أو ربما لم يرد معاكسته (2)
و هذه الحادثة تشف فيما تشف عنه طبيعة الموازنة التي توصل نمط الولي المنقبض عن السلطان إلى فرضها على السلطان نفسه و هي موازنة تتساوى فيها سلطة الولي مع سلطة الأمير إن لم تتفوق عليها و بالفعل فإن الحيز الذي مارس الولي فيه هاهنا دائرة نفوذه ليس هينا إذ لم ينتصر الولـــــــي على الأمير فحسب و إنما انتصر أيضا و بالأساس على أصحاب القوة و النفوذ (الكاهية ، القايد...) و إذا كان الخطاب المنقبي يكثف من مجال تأثير الولي إلى حد الخروج به من الواقعي إلى العجائبي فليعكس حاجيات الناس المتزايدة إلى إشباع رغبات مجهضة أو مقموعة أو منكبــتة و كأن مجال الشخصيات الولائية لا يطرد و لا يتسع واقعيا أو افتراضيا إلا بقدر استفحال أزمة المجتمع و ازدياد إحباطاته و تشف أيضا عن طبيعة العلاقة بين "سلطـان الأشباح" و "سلطان الأرواح" و هي علاقة و إن كان ينتظمها "التعاكس" و بالتالي الصراع غير المعلن حول الزعامة بين المقدس و الدنيوي فإن الأمراء ينأون بأنفسهم عادة عن الدخول في مواجهة مع الأولياء و إنما يسعون إلى استرضائهم و كسب ودهم و من ثمة الانخراط بولايتهم بكل ما تتمتع به من نفوذ معنوي و رصيد أخلاقي و روحي و صيت شعبي فيما يمكن أن نصطلح على تسميته بالادخار الإيديولوجي الذي يضفي على السلطة الحاكمة و ممارساتها السياسية مشروعية القداسة و يمنحها الضمانات الأخلاقية الضرورية بحيث تغدو العلاقة بين الولي و السلطان السياسي قائمة عمليا على مقايضة نفوذ بنفوذ و اتفاق ضمني على تقاسم دوائر السيادة و ممارسة الصلاحيات
و هي تنطق من ناحية أخرى بعلاقة التضامن القائمة بين الولي و المجتمع و الفئات المهمشة و المحرومة فيه بشكل خاص و لذلك فإن زاوية الصمادحي لم تكن لتلعب الأدوار الأولى في هذه المرحلة اجتماعيا و سياسيا لما لها من نفوذ نفسي و روحي فحسب و إنما لوقوفها بالخصوص من المجتمع مواقف الدفاع و الحماية و التوجــيه و سلوكها معه مسالك الرحمة و التعاطف مما وسع قاعدتها البشرية و وطد أواصر العلاقة بينهما و بين الفئات المقهورة بشكل أخص.
إن مسلك الانقباض عن السلطان سواء في سير الأولياء المثالية أي في مناقبهم أو في سيرهم الواقعية أي في تراجمهم مثلما هو شأن الشيخ الصمادحي سيجعل من هذا الأنموذج الولائي في المخيال الديني الشعبي رمزا للزعيم الأمثل و المثل الأسمى "للعقيدة المناضلة"، فعلاوة على كونه "البحر" الذي يحيط بالمعرفة الشاملة، هو المنقذ من الشدائد و الموئل عند الأزمات و هو الحاكم الذي تتماهى معه المجموعة بمعنى أنها تفرزه كمعبر عن أمانيها ثم تستوعبه و تقدسه خدمة لاتزانها و تعويضا عن عجزها و إشباعا لحب المدينة الإنسانية الفاضلة فيها.
هذه العلاقة بالسلطة و الأنموذج الولائي الذي تفرزه متجذرة في التقاليد الصوفية الإفريقية و بالفعل فقد كان المثل الأعلى الولائي الذي كانت تتطلع إليه البلاد دوما مستوحى من التجارب الصوفية و الولائية التي عرفتها إفريقـية و أسهمت في نحتها و الترويج لها كتب المناقب بشكل خاص و منها يستمد الأنموذج االولائي عند الشيخ الصمادحي =
- فقد كان أبو يوسف الدهماني (ت 624/1224) شديد التحفظ من السلطة بمختلف ممثليها الرسميين و كثيرا ما كان يستحث مريديه و تلاميذه على تجنب ارتيادهم و الوقوف على أبوابهم. (1)
- و كان مبارك العجمي (ت 695/1296) يصر على عدم السعي إلى الوالي إذ لا يليق بــ [الأولياء] المشي إلى السلاطين. (2)
و كان أبو سعيد الباجي (ت 628/1231) يرفض هدايا السيد أبي العلاء (1)
أوصى أبو الحسن الشاذلي (ت 656/1259) تلميذه أبا الحسن علي الحطاب (ت 671/1273) "راعي الرعايا" وصائن افريقية بقوله "أوص أولادك أن... لا يعرفوا الملوك فإن معرفتهم تميت القلوب" (2)
- و كان أبو الحسن حسين السيجومي (ت 681/1283) يرفض الإغداقات المالية الرسمية لعدم شرعية مصدرها لأنه "لا يتصدق بمال المظالم" علاوة على أن كل ما أحذ من غير محبوبة بعد عن مطلوبه (3)
- و كان أبو علي سالم القديدي (ت 699/1300) "كثير الصولة على أهل الظلم و لا سيما الولاة ما داهن أحد منهم و لا آثر على الله أحد" (4)
- و كان الشيخ أبو االحسن علي العبيدلي (ت 748/1347) "لا يرى وجه
السلطان و لا قائد و لا قاضي" (5)
لن ينقطع الأنموذج الولائي المقبض عن السلطان في زاوية الصمادحي بوفاة مرجعه القياسي الشيخ أبي القاسم الصمادحي في حدود عام 1149/1736 و إذا سيتواصل في سلالته و بالتحديد في جله الذي تسميه المصادر الحاج محمد (كان حيا 1183/1770) الصمادحي (1) و تصفه وثائق الأرشيف (2) "بالقارئ الفقيه" و "الفقير البركة" مما يكرس صنفه جمعه بي الشريعة و الحقيقة و من ثمة تجسيده لنمط التصوف العالم الذي بات سائدا في البلاد التونسية لهذا العهد و هو التصرف المتأمل داخل المنظومة الشرعية أو التصرف السني ذاك الذي كرسته منذ القرن VIII/XII المدرسة الشاذلية و "ليس فيه بين المتصوفة و علماء الظاهر مباينة" (3). و سيبرز ذلك بالخصوص خلال العهد الباشي و تحديدا على إثر ما سمي "بخطوة الجزائريين الكذابة" سنة 1746 التي انتهت فيها زاوية الصمادحي بالتواطؤ مع "الصف الحسيني" من أجل الإطاحة بحكم علي باشا. و سيكون لهذا الموقف تداعياته الوخيمة على زاوية الصمادحي بجناحيها و لن يفلت منها إلا الشيخ علي بن حمودة الصمادحي الذي دعت ضرورات بحث الحكم الباشي عن تدعيم شرعيته إلى كسب ولائه و مباركته لمشروعه السياسي و هي مباركة رفض أغلب شيوخ الزاوية الصمادحية و في مقدمتهم الشيخ محمد الصمادحي نجل الولي سيدي بلقاسم و خليقته على رأس زاوية أن يمنحوها له مؤازرين بالمقابل الحملات التي كان يقودها أبناء الباي حسين بن علي المطاح به انطلاقا من الجزائر و بدعم من وجقها لتدعيم "الشرعية الحسينية".
لقد اعتبرت زاوية الصمادحي إذن الحكم الباشي غاصبا و بالتالي فهو غير شرعي و لذلك رفضت أن تمنحه تلك الضمانات الاخلاقية التي كان السلطان السياسي يسعى دوما إلى انتزاعها م الشخصيات الولائية المؤثرة لإكساب حكمه مشروعية القداسة. و يجد هذا الرفض مرجعيته في التقاليد الصوفية السنية إذا يذكر اتهام علي باشا لزاوية الصمادحي بالتواطؤ و هو على أية حال اتهام لم يكن مخطئا فيه و لا كانت الزاوية تتصل منه باتهام "الدعي ابن مرزوق الذي استولى على السلطة سنة 683/1284 الولي أبا عبد الله محمد المغربي (ت 689/1290) بالتواطؤ مع منافسة الشرعي على السلطة أبي حفص عمر ابن أبي زكرياء يحي الحفصي.
و علاوة على مرجعيته النظرية السنية المفترضة في رفض منح الشرعية للسلطة الغاصبة فإن موقف الشيخ محمد الصمادحي على غرار موقف سلفه الشيخ أبي القاسم يجد جذوره خصوصا في صلب الواقع الموضعي و تحديدا في موقع الأهالي من حرب الحكام و " شجرة الملك التي لا تسقى إلا بالدم" على حد العبارة الأثيرة عند علي باشا، و هو موقع "أذكى في العظم" كما يقول ابن أبي الضياف و بلغ بهم الصبر متهاه كما يجد جذوره في مضاعفات موقف التضامن الذي أعلنته الزاوية إزاء سكان المدينة و قد كلف رموزها حملة اضطهاد تراوحت بين المحاكمة و التتبع استوى فيها أرباب الزوايا و العلماء على حد سواء.
- فبعد أن كان يونس باي هو الذي يسعى إلى "الشيخ االصمادحي" لأن الولي لا يسعى إنما يسعى إليه كما هو الحال في سنة 1150/1737 تأليفا لقلبه و كسبا لولائه.
(1)
- عاد سنة 1159/1746 على إثر فشل "الشرعية الحسينية" في تعزيز موقفها و انسحاب وجق الجزائر الداعم لهما إلى "سياسة العصا الغليظة" ليسلطها على نخب المدينة التي تلكأت في التعبير للحكم الباشي عن مطلق ولائها فأمر باستجلاب أعيان الفقهاء و أرباب الزوايا و أذن بإلقائهم في سجن الزندالة بقصبة تونس معيدا بذلك إلى الأذهان سيرة الداي محمد خوجة الأشقر مع علماء باجة السبعة قبل أربعة عقود من الزمن:
*الضريبة الكبرى دفعتها زاوية الصمادحي إذ تم إلقاء القبض على ثلاثة شخصيات ولائية منها الشيخ محمد الكبير الصمادحي (ت 1160/1747) (1)الذي قلب له يونس باي ظهر المجر بعد أن كان يسعى في ركابه. رمى به في سجن الزدالة حيث قضى نخبه في بداية العام الأول من حبسه، و الشيخ البكري بدر الدين الصمادحي "المشهور بالولاية" (كان حيا عام 1162/1749) (2) و الشيخ أحمد بن أبي البركات الصمادحي (كان حيا عام 1162/1749) (3) اللذان احتفظ بهما يونس باي السجن مدة ثلاث سنوات متتالية أذاقهما فيها ألوان م التنكيل متهدد هما القتل في كل لحظة و لم تقتصر هذه الحملة على مشايخ الزوايا و إنما طالت رموز الثقافة الرسمية إذ أوقف بعيد ذلك بقليل قاضي البلد محمد الصغير التواتي (ت بعد 1180/1767) "العالم المدرس"و "الفقيه الممحدث" (4) و مكث في غيابها النسيان مسجونا مدة تزيد على السنة و ما لكل هذه المعطيات متظافرة إلا لتعزز موقف الانقباض عن السلطان الغاضب الذي ظل الشيخ محمد الصمادحي عليه قرابة عقدين من الزمان من ناحية و لتعزز أيضا موقف التضامن بين "علماء الرسوم" و "أصحاب الحال المعلوم" بعبارة ابن الطواح أي بي الفقهاء و مشايخ الزوايا بعد أن تتساور أمام اضطهاد السلطة السياسية لهم كما أنها ستقوي التآزر بين عالم البادية و عالم المدينة و تحديدا بين القبيلة و الشخصيات الولائية و العلمية المدنية.
فقد اضطر أحمد الغاوي (ت 1160/1747) "القارئ الفقيه المدرس" إلى التسلل من العاصمة ليلا توجسا من بطش الباشا (1) و لم يكن أمام محمد بن مامي الحنفي (ت 1161/1748) خطيب جامع مراد باي، و هو من أعيان الأرستقراطية الدينية بالبلد (2)، و ابنيه محمد بن مامي (ت 1175/1761) "الخطيب الواعظ" الذي بدوره إمام بجامع الباي (3) و محمود بن مامي (ت بعد 1162/1748) و قد كان هو الآخر فقيها مرموقا (4) إلا التحصن بالجبال و الاحتماء برجال القبائل.
كان الشيخ محمد الصمادحي على رأس المطلوبين ذلك أن الروحي و الزمني قد التقيا في شخصيته بصورة لافتة إذ لم يكتف بحجب "بركته" عن الحكومة الباشية و رفض الانصياع لتعليماتها و إنما تعدى ذلك إلى تأليب الأهالي عليها و دعوة خب المجتمع إلى التضام من معهم في تكريس هذا الموقف و مر إلى التنسيق بين رموز "الصف الحسيني" على حدود الإيالة و أنصاره بإقليم باجة. و يبدو أن ما كان يتمتع به من نفوذ في صفوف السكان جعل مساعيه في تجذير الشرعية الحسينية تكلل بالنجاح و ليس أدل ععلى ذلك من التحاق عدد كبير من الوجاهات المحلية بمعسكر الحسيني في الكاف يتقدمهم الشيخ الصمادحي المذكور حيث التقوا بمحمد الرشيد باي حاكم البلاد المرتقب و داي الجزائر حاجي حسن الذي كان يدعمه (5) إلا أن فشل حملة إعادة الشرعية هذه و سيكون ذلك مؤقتا جعل الزاوية هي التي تحتمي بالقبيلة بعد أن كانت القبيلة هي تجد في أن تجد لها ملاذا في الزاوية ذلك أن قبائل الجبال كانت بدورها بحاجة إلى إضفاء مشروعية القداسة على جنوحها الدائم إلى الاستقلاا عن السلطة وشق عصا الطاعة في وجه سياسة الانتهاب الضريبي التي كانت تمارسها ضدها و "قد أذقتهم المراد و أزمتهم البوا" على حد تعبير ابن أبي الضياف و هي مشروعية طالما انتزعها منها الفقهاء و لم تجد في غير أرباب الزوايا من يمنحها مثل هذه الضمانات الأخلاقية فكان وفائهم لهم و تدعيمهم اللامشروط لمواقفهم بحكم خدمتها لمصالحهم و تعزيزها لصفهم. فقد استمر الشيخ بعد هذه الأحداث متنقلا بين حاضرة الاقليم التي يأتيها من حين لآخر ليقضي بعض الأيام بداره و بين جبال عمدون حيث أمن عائلته أو جبال وشتاتة التي كان يتوغل في أوعارها كلما استشعر إحداق الأخطار بحياته (1) من أجل ذلك لن تفلح كل المحاولات التي بذلت في سبيل أسيره على امتداد ما لا يقل ع عشر سنوات:
فعامل البلد ابراهيم بن ساسي لم ينجح في فك أوامر التضامن من بينه و بين أهالي المدينة و لا تجرأ على التعرض له رغم تردده جهارا على زاويته و بيته و أقصى ما تمكن منه إيغار صدر الباشا عليه و الإيقاع به لديه (2)
- عصمان آغا لم تكن له الشجاعة الكافية لأسر الشيخ الصمادحي و ذلك أرسل موفدا سريا لإخطار بطبيعة المهمة التي كلف بها من قبل الباشا حتى يأخذلا الشيخ المطلوب احتياطاته. (3)
- بل إن يونس باي نفسه لن يكون أوفر حظا إذ منيت حملته على قبيلة وشتاتة التي احتمى بها الشيخ الصمادحي و قد قادها بنفسه بفشل ذريع (4)
 بهذا يغدو المتصرف في إيطار المرجعية السنية كما هو الحال مع شخصيات الولائية هذه من جديد رمز للعقيدة المناضلة مما يفسر من بعض الوجوه تبني النحب المنفقة في القرنين XVII وXXIII بشكل خاص المشروع الصوفي "العالم" و انبراءها للدفاع عنه باعتباره مسلك أمثل في الخلاص بما جعل التصوف جزءا من ثقافة العصر و حول الولاية إلى مصدر ركيزي من مصادر اغتداء العقلية الدينية السائدة و بالفعل فإن المتأمل في سير أعلام الحياة الثقافي بالبلاد التي اختفت بها كتب التراجم في هذا الطور و منها سير علماء الجهة يلاحظ استهواء المثل الأعلى الولائي تعدد منهم إما تعاطفا و إما تبنيا.
- فمحمد بن مامي "الفقيه العالم" تتلمذ لسيدي علي عزوز، و " و كان له اعتقاد زائد في الصلحاء و أهل الإشارات مقتفيا آثار القوم" (6)
- فالشيخ حميدة المفتي و هو "كنز علومها" تسربل بالأنوار الصوفية
- و لمحمد المغراوي بن جمال الدين الراوية ميل إلى الانقطاع و "ورع زائد"
- و للشيخ محمد التواتي "المحدث" "ميل إلى طريق القوم" (2) "و حب للفقراء و الصالحين"
- و للعلماء أحمد عجال "ميل إلى الخمول و سكنى أطراف البلاد" (3) أما العالم محمد براد (ت 1065/1655) الذي أوشك على نفسه إماما خطيبا بجامع الزيتونة بتونس فقد كان "وليا ربانيا و عارفا صمدانيا" مربيا للسالكين قدوة للمريدين (4)
- و كان الفقيه يوسف بن النون الزوابي الباجي (ت 1253/1837) " صوفيا له في طريق القوم ذةق" " قصر نفسه على النظر في كتب القوم" (5) و مما يدل على حيوية هذا الأنموذج من الشخصيات الروحية و رواجه و اتساع مجال تنفذ الزوايا التي يمثلها اضطرار نمط الولي المتعاون أو الولي المنبسط مع السلطان المضطلع بدور الشفاعة للناس و الوساطة بينهم و بين السلطة السياسية و " قضاء حوائجهم" حيث لم يكن تعاونه ناجعا و ذا نتائج إلى الاخراط في نوع من الانقباض االسلبي عن "ولي الأمر" و من ثمة التضامن الموضعي مع الفئات الاجتماعية المتضررة من قهر السلطة تنطق بذلك مثلا سيرة الشيخ علي بن حمودة الصمادحي الذي سبقت منا الإشارة إليه لما فشلت مساعيه لدى علي باشا و ابه يوس باي في رفع العقوبات عن أهالي بلده فما كان منه إلا أن رفض بدوره المكوث بالحاضرة و قرر بالمقابل البقاء بباجة معتصما بمنزله معاضدا بذلك ضمنيا موقف ابن عمه الشيخ محمد الصمادحي الذي كان يتزعم موقف الانقباض و معبرا عن تعاطفه مع "مواطنيه" و لم يكتف بذلك إذ تعداه إلى اصطناع عصمان آغا المأمور العسكري الباشي حتى يصرف كيده و تجاوزاته عن الأهالي (6)
بهذا تقدم لنا زاوية الصمادحي عينه أنموذجية لأنماط العلاقة التي ربطت جانبا من شل هذه المؤسسات الروحية بالسلطة السياسية و بالمجتمع في عالمي المدينة و البادية خلال القرن السابع عشر و الثامن عشر و هي علاقات و إن حكمها في بعض الأحيان نوع مما يمكن أن نصطلح على تسميته بتوزيع الأدوار إلا أن الموقف العام الذي انتطمها ظل متنزلا ضمن الانقباض عن السلطان و لا سيما كلما كان "غاشما" أو "غاضبا" و الوقوف بالمقابل من المجتمع موقف الدفاع و الحماية و انتهاج مسلك في التعامل معه يقوم على الرحمة و التعاطف و التضامن وصولا إلى حد الإنخراط في مجريات الأحداث السياسية و الاجتماعية مباركة و تعزيزا أو انعزالا و احتجاجا سلميا. كما كان للتجربة الولائية التي روحتها بحكم مرجعيتها السنية و تجسيدها غالبا المثل الأسمى "للعقيدة المناضلة" دور كبير في توسع مجال نفوذ الزاوية و نجاحها في القيام بالأدوار الأولى في حياة الأهالي اجتماعيا و سياسيا سواء داخل الوسط الحضري أو داخل الوسط القبلي بحيث غدا التصرف معها جزء أساسيا من ثقافة العصر إن لم نقل الميسم المميز للذهنية الدينية السائدة.
Vos commentaires ou autres infos sur la ville de Béja
Commentaire de [Dr Zouheir B.Youssef] ajouté le 2009-07-08 à
10:05:58
زاوية سيدي الطيب بباجة
المعلم و أعلامه
سيدي
أحمد
البلاقي
ت 1249/1833
هو أحمد البلاقي الشريف الملقب بالعلاّمة النحرير، \" حامل لواء الطريقة القادرية في عصره ،الجامع بين الحقيقة و الدين وعلم التصوف و اليقين \" و مؤسس الزاوية القادرية الأولى المعروفة بزاوية الخضارين عام 1780 و بها ضريحه و ثالث أقدم زواياها بالبلاد التونسية ، بحيث يكون من كبار تلاميذ الشيخ أبي الحسن علي بن عمر الشايب (دفين منزل بوزلفى) رائد الطريقة القادرية بالبلاد التونسية في العصر الحديث ، و هو بالنتيجة أحد كبار أصحاب شيخها الثاني محمد المنزلي ( ت1248/1832).
تميزت تجربته العـرفانية بتضافر الرافد العملي فيها مع الرافد النظري و الجمع بين ثقافة أهل الرسوم ( الفقهاء) و ثقافة أصحاب الحال المعلوم ( الصوفية) بحيث عـرف فقيـــها عالما و وليّا عارفا و كان يترأّس مجلسين أحدهما للفقه و الثاني للذكـــر.
و من أبرز من تتلمذ له الحاج ميلاد الشريف (ت1843) مؤسس الزاوية القادرية الثانية بالبلد.
ينحدر الشيخ أحمد البلاقي الشريف من أصول أندلسية محتملة و تحديدا من مدينة البولاّكي El-Bullaque))الواقعة 75 كلم غربي سيوداد ريال (Ciudad Réal) .
وقد اشتهرت أسرته بتجــــذر التقليد الصوفي في صفوفها كما عرفت بانتمائها إلى تيار الصوفية الأشراف لاتصال نسبها بأهل البيت النبوي على غرار أسر أخرى بمدينة باجة مثل دار الخليع ( ابن عبد الوهاب و الشوذري سابقا) و دار الأصفــــر ودار الخروبي ( الخرنوبي سابقا ) و دار الشريف و دار الشمراك و دار الحداد و دار الكدردر و دار الحيدري و داربلّومة و دار الحـــداد و دار الغربي السرغينيين و دار ابن ميلاد / ابن إدريس / الجوّاني الأشــراف العلميين و دار ابن يعيش و دار الشطي و آل الطبوبي أحفاد عقيل بن مسلم الحسنيين و آل البلطي أحفاد أبي عفيف صالح البلطي الحسنيين أيضا و دار الزوابي و دار النوري الأشراف الحسينيين.
وهو المعني بالنهج الرابط بين باب العين ونهج الجامع بالمدينة العتيقة ، النهج الموسوم من قبل و إلى اليوم بنهج البلاقي في وفاء من الذاكرة الجمعية المحلية لذكراه .
وسيتواصل التقليد الطرقي في سلالته من خلال :
1- محمد الجيلاني البلاقي ( ت1276/1859) ابنه الأوحد.
2- أحمد بن الجيلاني البلاقي ( ت1282/1865).حفيده الأكبر و قد توفي عن غير عقب.
3- محمد الطيب بن الجيلاني البلاقي ( ت1351/1933) حفيده الثاني .
4- امحمد بن الطيب بن الجيلاني البلاقي (1984) حفيده للابن الذي سيكون خامس شيوخ الطريقة و آخرهم .
***
ملحوظة : مثوى سيدي أحمد البلاقي الأكبر بزاوية الخضارين ، البرادعية ، قرب سوق الزيت سابقا.
سيدي
الجيلاني البلاقي
ت 1276/1859
هو محمد الجيلاني بن أحمد البلاقي الشريف ، النجل الأوحد لمؤسس زاوية الخضارين ، و ثاني شيوخ الطريقة القادرية بزاويتها الأم بباجة ، يوصف بصاحب الكرامات العديدة و الأحوال المفيدة ،كان عابدا صالحا ورعا لا يفارق حلقات الدروس و لا يتخلّف عن أيّة صلاة للجماعة مع ميل إلى الانقطاع و الخلوات .
عاصر كبار أعلام التصوف المحلي في وقته الحاج ميلاد الشريف (ت 1843 ) واحميدة القشّـــــــون ( كان حيا عام 1804).
وبما أنّ صاحب الحال في المرجعية الصوفية هو ذلك السالك الذي يتوسط في مستوى المرتبة المعرفية بين المبتدئ وهو صاحب الوقت و بين المرتبة العليا وهي مرتبة صاحب الأنفاس فمعنى ذلك أنّ الجيــــــلاني البلاقي و إن لم يبلغ منتهى المعرفة إلا أنه بلغ في العرفان الصوفي درجة متقدمة .
مثواه بمقبرة سيدي صالح الزلاوي وقد صار قبره ضريحا لخامس شيوخ الزاوية وآخرهم وهو سيدي امحمد بن محمد الطيب بن محمد الجيلاني بن أحمد البلاقي (ت1984).
سيدي
الطيب
ت 1351/ 1933
هو محمد الطيب بن محمد الجيلاني بن أحمد البلاقي الشريف الملقب بالعمدة البركة الوليّ. رابع شيوخ الطريقة القادرية بزاوية جده بباجة وهي زاوية الخضارين ، غلب اسمه عليها فصارت اليوم تعرف باسمه.
و سيكون نجله سيدي امحمد (ت1984) خامس شيوخ الطريقة و آخرهم.
في حين سيتولى نجل له آخر هو محمــــــود البلاقي (1883-1963) بمقتضى ما كان يحمله من أوامر عليّة أحدها في العدالة و ثانيها في الإمامة و الخطابة بالجامع الكبير بباجة ( 1952-1955) فضلا عن ممارسة وظيفة الإشهاد .
توفي سيدي الطيب صبيحة يوم الأحد 28 ذو الحجة 1351/28 أوت 1933 و دفن بزاوية جـــدّه.
ضريحه جوفيّ زاوية الخضارين .
و من قدماء من تولى الإمامة بها :
1- الشيخ حمودة بن محمد صالح المنـاري \" الفقيه العدل \" ( ت1301/1884).
2- الشيخ حسونة بن محمد صالح المنشاري.
ومن أواخرهم :
1الشيخ محمد بن صالح الصولي ( إلى سنة 1992)الإمام الخطيب حاليا بجامع أحمد الجزار.
2. أحمد الزين عرف سي احميدة العواضي من 1992 إلى اليوم.
ملحوظة :
1- مخطـــوط :من نفائس المخطوطات التي تحتفظ بها زاوية الخضارين إلى اليوم ختمة مخطوطة للقرآن الكريم مكتوبة بخط مغربي في ثمانية و عشرين (28) جزءا ( فقد منها الجزآن 16و 30) يعود تاريخ الفراغ من نسخها إلى يوم السبت 25 شوال 1304/ 1886 حبسا على\" زاوية القطب الأكبــــــــــر و الغوث الأشهر الشيخ سيدي عبد القادر الجيلاني المعروفة بالخضارين الكائنة بالربط القبلي من البلد \".
المحبّس : الحاج محمد الطاهر بن محمد صالح بن أبي بكر الجــــريدي .
الشاهد المستلم : الشيخ محمد الطيب بن محمد الجيلاني البلاقي شيخ الطريقة بالزاوية المذكورة.
توثيق العدل محمد بن السنوسي دخيل و العدل محمد المغـــــــــــراوي .
2- التابـوت :ينتصب على ضريح سيدي الطيب ثابوت خشبي مخرّم ( أرابيسك) على غاية من الإتقان وهو كما هو مخطوط بحاشيته من صنع محمود بن عبد الرحمان الجريدي ، صنعه بباجة في ربيع الأول من عام 1353/1933 ، و بحاشيته أيضا هــذان البيتان الشعريان :
و من تكن برســــــول الله نصرته إن تلقه الأســــد في آجامها تجـــــــــم
و كلهم برســــــــــــــــول الله ملتمس غـــرفا من البحر أو رشفا من الديم
و بمشهد الثابوت نص تاريخي هام يكشف الهوية الكاملة لأشهر أعلام الزاوية جاء فيه :\" الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله ، هذا ضريح العمدة البركة الولي لله تعالى الشيخ سيدي محمد الطيب ابن الولي لله تعالى البركة المزار صاحب الكرامات العديدة و الأحوال المفيدة الشيخ سيدي الجيلاني ابن العلاّمة النحرير الجامع ما بين الفقه و الدين و علم التصوف و اليقين ناشر لواء الطريقة القادرية بباجة في وقته المبين الشيخ سيدي الحاج أحمد البلاقي الشريف القادري المتوفى صبيحة يوم الأحد الثامن و العشرين من ذي الحجة تمام واحد و خمسين و ثلاثمائة و ألف \".
3- ينحدر من السلالة نفسها :
سيدي عــــمـر البــلاقـــــي
الملقّب بذي الوفاء و بفحل الأسود ،عـدّه محمد المنزلي في قصيدته مدحة رجال باجة من أبرز أخيار البلد وأحد أعلام الأولياء و قادة الأتقياء به ، ينحدر من أصول أندلسية محتملة و تحديدا من مدينة البولاّكي El-Bullaque))الواقعة 75 كلم غربي سيوداد ريال (Ciudad Réal) وقد اشتهرت أسرته بتجــــذر التقليد الصوفي في صفوفها.
و من سلالته الشيخ سي علـــــيّ بن عمر بن امحمد بن محمد البـــلاقي إمام الخمس بالجامع الكبــــير.
يوجد ضريحه بنهج القصبة قرب دار القاضي،تحول إلى محل سكنى، دار صالح البلاقي حاليا.
4 – الســــلالة :
ستعطي هذه السلالة نخبة من مثقفي البلد و حملة المعرفة فيه كان من أشهرهم :
1- أحمد البلاقي ( كان حيا عام 1219/1805 ) و هو فقيه و موثق و مختص في علم تقسيم المواريث كما كان مدرسا بالجامع الكبير بباجة.
2- محمد البلاقي ( كان حيا عام 1249/1833 ) و هو فقيه و موثق و مختص في علم تقسيم المواريث .
3- أحمد بن الجيلاني البلاقي ( كان حيا عام 1319/1900 ) و هو فقيه و موثق و مختص في علم تقسيم المواريث .
4- محمود بن يونس البلاقي ( كان حيا عام 1957 ) و هو فقيه و موثق و مختص في علم تقسيم المواريث و مدرس بالجامع الكبير كان يلقب بالعلاّمة .
د / زهير بن يوسف
Commentaire de [Dr Zouheir BEN YOUSSEF] ajouté le 2009-06-25 à
13:20:48
جامع مـــــــراد باي الحنفي بباجـــة
المعلــــم و رجــــاله
د/ زهــير بن يوسف ( جامعي تونسي)
\"لما أراد الوليد أن يبني المسجد أشار ببنائه اسطوانات إلى الطاقات، فدخل بعض البنائين فقال : لا ينبغي أن يبنى هكذا، ولكن ينبغي أن يبنى فيه قناطر وتعقد أركانها ثم تجعل أساطين وتجعل عمدا وتجعل فوق العمل قناطر تحمل السقف وتخفف عن العمد البناء\".
ابن فضل الله العمري
مسالك الأبصار ج.1 ص 181
يتحدد النسيج العمراني في المدن الإسلامية بعدد من المنشآت أهمها المنشآت العسكرية كالقلاع والحصون والأسوار والأبراج والمباني المدنية نعني بالأساس التجهيزات الصحية مثل الحمامات والمرافق المائية على غرار الأسبلة أو السقايات والمنشآت التي تسدي خدمات اجتماعية من قبيل الفنادق أو الخانات فضلا عن المنشآت المقدسة والمعمار الموقر مثل المساجد والمساجد الجامعة أو الجوامع والمصليات والزوايا والمقامات بحيث يكفي استنطاق هذه الشواهد المعمارية ومساءلتها لتتبع ظاهرة النمو العمراني والتطور المعماري في المدينة الإسلامية تلك الظاهرة التي يمكن الاستدلال على إبرازها بأشكال وأوضاع مختلفة في طليعتها ظهور الأرباض وتعدد جوامع الخطبة في المدينة الواحدة زيادة على تعدد الأبواب الداخلية والخارجية، كل ذلك بالإضافة إلى تعدد المدارس المعمارية وتنوعها وصولا إلى تراكبها وتآلفها في انسجام يبدو عجيبا في كثير من الأحيان.
ولعل مدينة باجة بشمال غربي البلاد التونسية، وهي المدينة التي عرفت في المصادر الإسلامية الوسيطة باسم باجــة القمح أو باجة إفريقية أو أيضا باجة القيروان1 نظرا إلى عراقتها التاريخية وأصالة تراثها المعماري الباقي وخصوصا لتوفر مشهدها العمراني العتيق على شواهد معمارية عديدة ومتنوعة تثبت هويتها الحضارية العربية الإسلامية ليس داخل المجال التونسي فحسب –المجال الإفريقي بتعبير العصر الوسيط- وإنما داخل المجال المغربي برمته.
فإذا كان فضاؤها التاريخي قد تضرر في قسم منه وبشدة في بعض الأحيان نتيجة لاعتبارات متداخلة ليس هذا مجال تفصيلها مدارها الخطاب المعماري التونسي المعاصر في بعض مراحل تطوره من حيث مدلولاته وعلاقته بالتراث حتى أن من معالمها ما انطمست آثاره تماما أو كاد ينطمس فقد بقي بغير شك جل نسيجها العمراني وبقايا من تحصيناتها الدفاعية واستحكاماتها العسكرية: قلعتها وجوانب من أسوارها2 وبقي جانب من منشآتها الصحية والمائية نعني الحمامات العتيقة والأسبلة1 كما صمد قسم من فنادقها2 وغالب منازلها وقسم من قصورها. وإذا كانت بعض معالمها الأخرى قد درست بالكامل تقريبا مثل المدرسة المرادية3 والأبراج التي كانت تبرز من الأسوار وتتطاول إلى ارتفاع شاهق4، في حين لم تبق من بعضها الآخر إلا الأطلال وهذا شأن قصر باردو5 وجل أبواب المدينة فليس أبقى في المشهد العمراني التاريخي نعني \"المدينة\" والأرباض من المعالم الروحية وأهمها علاوة على الزوايا والمقامات المساجد الجامعة أو الجوامع ولعلها جميعا من أبرز النويات اختزالا لذاكرة المجموعة واختزانا لها وأظهر نقاط التواصل بين أجيالها لما تضفيه على الفضاء من ثراء وخصوصية ولما تشهد له به من تنظيم وإحكام في التخطيط بحيث لا نجانب الصواب حينما نذهب إلى أن تاريخ المدينة الإسلامية كامن في تاريخ معالمها بل إن المدينة، والعبارة للوفابر،انعكاس على الأرض للمجتمع بأكمله، بثقافته ومؤسساته وأخلاقه وأسسه الاقتصادية وروابطه الاجتماعية.
ومن أبرز هذه المعالم الدينية نذكر:
1. زاوية ابن أبي سعيد: وهي تنتصب على واحد من منحدرات جبل عين الشمس شمالي القصبة يثوي بها أبو أحمد محمد بن محمد بن أبي سعيد (ت 278 / 892) من علماء القرن الثالث قال فيه ابن الفرضي: \"كان رجلا صالحا... حدث وكتب الناس عنه6\" .
2. زاوية المغرواي1: و هي من معالم القرن السابع عشر, تقع جنوب غربي الربض الشرقي و يعرف اليوم بحومة الجرابة في جوار جامع الباي . أسسها الشيخ محمد المغــــراوي بن جمال الدين المتضلع في علمي الشريعة و الحقيقة و بها ضريحه . وقد كشفت الترميمات المجراة بها عن أضرحة الشيخ صالح المغراوي (ت 1730) قاضي المحلة و مسعود المغراوي (كان حيا عام 1756) عالم المنطق و محمد المغراوي (كان حيا عام 1857) القاضي المدرس والراوية المحدث و عبد القادرالمغــراوي (ت 1877) كبـــــير أهل الشورى في عصره و مفتي البلد .
3. زاوية الحواريين2: وهي تقع غربي الجامع الكبير و تحديدا في منتصف المسلك الذي يربط هذا المعلم بالقصبة / القلعة . و قد تكون أول مسجد بناه المسلمون بالبلد على أنقاض كنيسة سابقة و بأحجارها . و مما يدعم فرضية الأصول المسيحية لهذا المعلم , فضلا عن اللقى و النقائش الأثرية , تسمية الفضاء نفسها وقد حل فيها المريدون محل الحواريين. تحول المكان منذ القرن السادس عشر إلى مقر للطريقة العيسوية .
4. زاوية الخضارين: ثالث أقدم زوايا الطريقة القادرية بالبلاد التونسية أسسها سنة 1194/1780 الشيخ أحمد البلاقي الشريف \"الجامع ما بين الفقه والدين وعلم التصوف واليقين\" وبها ضريحه و ضريح حفيده الولي سيدي الطيب (ت 1351/1932) الذي يعرف المعلم اليوم باسمه3.
5. زاوية سيدي عبد القادر: كانت تعرف بجامع النخلة. ثاني زوايا الطريقة القادرية بالمدينة، أسسها عام 1227/1812 أشهر شعراء المديح الصوفي في القرن XIX الحاج ميلاد الجواني الشريف (ت 1259/1843) وبها ضريحه وضريح شقيقه أحمد الغربي (ت ؟) الشاعر الصوفي أيضا وضريح شيخ الطريقة من بعده محمد بن الحاج ميلاد الشريف (ت 1315/1897)1.
6. زاوية بابا عـلـــــــي: أسسها قبل عام 1034/1624 المرابط الشهير بابا علي الصمادحـي (ت1077/1666) أصيل قبيلة مصمودة بالمغرب الأقصى وهو الذي تتلمذ له أبو الغيث القشاش (ت 1031/1622). قامت بدور علمي واجتماعي هام في القرن XVII وتحديدا خلال الحرب الباشية – الحسينية2.
7. زاوية سيدي بلقاسم الصمادحي (كان حيا عام 1147/1734): \"شيخ الصلحاء في عصره\" حفيد بابا علي، من الدرجة الرابعة. تقع قبالة الزاوية الصمادحية الأم. اشتهر صاحبها بانحيازه إلى الأهالي ووقوفه في وجه حسين بن علي أول3 بايات الدولة الحسينية.
8. جامع الخطبة بربض عين الشمس عند باب الجديد الفوقاني جوار ضريح الفقيه الزاهد عبد الله بن عبد السلام الباجي (XIII / VII) تحول إلى محل سكنى ولم يبق منه إلا محرابه4.
9. جامع الجزار ينسب إلى الفقيه الزاهد أحمد الجزار وبه ضريحه يشهد شكله المعماري والأسبار التي أجريت بمحيطه أن تاريخ بنائه يعود إلى العهد الأغلبي (184/800-297/909). يقع في الربض القبلي.
10. الجامع الكبير المعروف تاريخيا باسم الجامع العتيق والجامع الأعظــــــم
أو أيضا الجامع الأكبر. أنشأه اسماعيل المنصور الخليفة الفاطمي الثالث
بإفريقية في حدود سنة 336/944 . جدده محمد الناصر باي سنة 1922 5.
11. جامع مـــــراد باي ويعرف أيضا بالجامع الحنفي أو الجامع الصغيـــــــــر أو اختصارا جامع الباي، ابتناه الأمير مراد باي الثاني فيما بين سنتي 1077/1665 – 1086/1675 خارج باب العين أحد أبواب البلد في القرن XVII / XI. وهو الفضاء الروحي بل المركب المعماري والثقافي الذي تراءى لنا مع ملحقاته جديرا بالمقاربة الجمالية والتاريخية نعني المقاربة التي تحتفل بالمكونات المعمارية للفضاء والقيم التي تريد تشجيعها وتكريسها والرسالة الرمزية التي تسعى إلى تأديتها سواء كانت روحية أو اجتماعية بالتزامن مع المقاربة التي تحتفي بربط هذا الحيز الجمالي التراثي بمجاله التاريخي في مختلف أبعاده وخاصة منها الأبعاد والوظائف الثقافية والاجتماعية... خصوصا أن مختلف الوثائق ذات الحوامل المكتوبة سواء كانت وثائق تاريخية أو وثائق ذات صبغة عامة، على تنوعها وتعددها، قلما التفتت إلى هذه الجوانب الجمالية رغم عنايتها الموصولة بالنواحي العمرانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وما ينطبق على مثال مدينة باجة العتيقة في هذا السياق ينطبق غالبا على سائر المجال الإفريقي ماعدا \"قواعد الأمصار\" و \"عواصم الأقطار\" كالقيروان وتونس وصفاقس وسوسة مثلا.
فعلى امتداد كامل تاريخها الإسلامي ورغم العناية المتميزة التي أولتها لها كتب التاريخ وكتب التراجم والطبقات فضلا عن أدب الرحلة مما كرس مكانتها كواحدة من أهم المراكز الثقافية بالبلاد ولاسيما خلال القرنين XVII / XI و XVIII / XII وهذا ما نستشفه من شهادة الوزير السراج (ت 1737) في قوله: \"ولكننا الآن وزماننا الهازل الذي لم يأت بما أتت به الأوائل قد اجتمعنا بفحول من مدلهم غابها وأبطال تفتن عن حادي ركابها\"1 وهي شهادة رغم احترازنا إزاء صبغتها التمجيدية تترجح لدينا بموجب طبيعة الحركة الثقافية التي كانت مدينة باجة تحتضنها وحجمها ودرجتها2. وإذا ما وثقنا بشهادة ابن الفرضي (ت 403/1013) يبدو أن هذه المكانة ليست عرضية ولاهي طارئة وإنما هي عريقة تمتد جذورها إلى العصر الفاطمي إذ يظهر أن دورها في استقطاب الطلبة واجتذاب العلماء للاستقرار بها والأخذ عن مشايخها في مختلف حقول المعرفـــة قد تكرس منذ القرن X/IV، يقول ابن الفرضي: \"كانت باجة كعبة علم تجلب الوفود حتى من الأندلس\"1، رغم كل هذا الاهتمام بالعلم ورجاله فإن مؤسسات العلم التقليدي أي المساجد والمدارس لم تحظ بنفس الاهتمام، ماعدا بضع إشارات لم تتعد الجامع العتيق وهو المعقل الأول للمذهب المالكي بكامل منطقة التلال وحوض وادي مجردة. أشارت إليه النصوص العربية في ثلاث مناسبات أوفاها اتصالا بمحور اهتمامنا إشارة البكري2 واسترعى انتباه الرحالين والإخباريين الأوروبيين في ثلاثة مواضع أيضا أشملها وأوعاها وأجمعها نص القس نو Neu3. أما الجامع الحنفي فقد أعرضت عنه المصادر الأجنبية إعراضا كاملا ولم تلتفت إليه المصادر التاريخية التونسية وتحديدا المصادر المرادية والحسينية الرسمية ولا إلى المدرسة المتصلة به إلا بشكل عرضي لا تبرره اهتمامات معمارية أو اعتبارات جمالية بقدر ما يجد مسوغاته في المعطى السياسي وبالأساس حاجة السلالة المالكة إلى كرم الأحدوثة وتمجيد المآثر ولاسيما في أحظى المجالات بالإجلال لدى المجموع العام للناس مجال العمارة الدينية والعلمية.
I- المذهب الحنفي داخل المجال الإفريقي:
I- 1- الينابيع والجذور:
يمكن تشبيه المسألة المذهبية في المجتمع التقليدي بما هي عنوان للخصوصية الثقافية والمحدد الأساسي للانتماء بمبدأ المواطنة في المجتمع المدني الحديث من حيث هو مقوم ركيزي من مقوماته وحجر الزاوية في تأسيس موطئ قدم فيه، من هنا نفهم قيمة الانتماء المذهبي في تمحيض الخصوصية ولا سيما ضمن الآفاق التاريخية والثقافية للمجتمعات العربية والإسلامية في العصر الوسيط.
ولئن استقر المجال الإفريقي شأنه في ذلك شأن المجال المغاربي عامة مجالا يهيمن عليه المذهب المالكي في مستوى المصادر الرسمية على الأقل مع حضور مهمش للمذهب الاباضي غالبا ما كان مسترابا ومستهدفا فإن ذلك لا يعني البتة أن هذا المجال قد كان تاريخيا مجالا أحاديا سواء في مستوى \"الثقافة العالمة\" أو في مستوى \"الثقافة العامة\" ذلك أنه بالرغم من التعتيم الذي ضربه أصحاب طبقات المالكية ومن ترجموا لعلماء إفريقية من المؤرخين على غير المالكية من العلماء إقصاء ونبذا للآخر حتى وإن كان داخل المنظومة السنية ذاتها بحيث أهملوا مثلا أعلام المذاهب الأخرى فما احتفلوا بأخبارهم ولا اهتموا بضبط آثارهم ولا احتفوا بتدوين سيرهم إلا اضطرارا فلم يترجموا إلا إلى عدد قليل منهم وفي مناسبات نادرة كثيرا ما حتمتها عليهم ظروف التصنيف ومستلزمات البحث، رغم كل هذه العوائق فإن هذه المصادر بالذات والمصادر المبكرة لتاريخ إفريقية تنبئنا بأن المشهد الثقافي داخل المجال الإفريقي منذ العهد الأغلبي و إلى بداية العهد الزيري أي منذ القرن IX/II إلى حدود النصف الثاني من القرن X / IV قد كان مشهدا ثقافيا يقوم على الاختلاف والتنوع أو ما يمكن أن نصطلح على تسميته \"بالتعددية\" وهي تعددية كان يتوزعها بالأساس قطبان محوريان هما المذهبان الحنفي والمالكي. وقد كان من الطبيعي أن تكون العلاقة بينهما بما هي علاقة غير سكونية علاقة قائمة على التراوح بين التسامح والقبول بالآخر من ناحية والصراع وتفجير الخلافات من ناحية أخرى كيف لا وكل منهما يعكس فيما يعكس مصالح متباينة كثيرا ما تكون متصادمة هي مصالح كل من فئات أعلى الهرم الاجتماعي وفئات أسفل هذا الهرم.
فمما أجمعت عليه المصادر أن مذهب الإمام أبي حنيفة (80/699-150/767) قد كان أول المذاهب ظهورا داخل المجال الإفريقي وما وراءه من بلاد المغرب وأوسعها انتشارا به1 حتى عهد المعز بن باديس الصنهاجي (ت 254/1062). وقد تأكدت هذه الأسبقية التاريخية من خلال المصادر المالكية بالذات، يقول القاضي عياض : أما إفريقية وما وراءها من المغرب فقد كان الغالب عليها في القديم مذهب الكوفيين1. وإذا كان جانب من هذه المصادر يقرن بين انتشار المذهب الحنفي ورحلة أسد بن الفرات (ت 213 أو 214/ 828 أو 829) إلى المشرق في طلب العلم2 فمن الثابت أن أقوال أبي حنيفة كانت منتشرة بالقيروان وليس أدل على ذلك من أن ابن الفرات، على ما يذكر المالكي صاحب رياض النفوس، لما قدم من المشرق وجلس للتدريس بالقيروان استقطب مجلسه مالكية وأحنافا كانوا معروفين بصحبته ومن ضمن أعلام المدرسة الحنفية القيروانية هؤلاء : \"معمر بن منصور\" ومحمد ابن وهب ومحمد بن قادم وأبو المنهال وسليمان بن عمران وسائر من يقول بقول الكوفيين3 .
على أن ما تجدر الإشارة إليه في خضم هذا المشهد الثقافي المتميز بازدواجية المركز أن العالم الأنموذجي فيه قد ظل ذاك الذي يجمع بين مدرستي أهل الحديث وأهل الرأي وبإمكانه على غرار أسد بن الفرات مثلا \"أن يدرس أقوال العراقيين والمدنيين في مجلس واحد\"4 مطلعا اطلاعا مقارنا على أصول المذهبين وبالنتيجة عالما بالخلاف الأمر الذي أسهم في تبلور ملامح هوية فقهية أو ثقافية إفريقية متميزة تختص بالإضافة إلى ميسمها السني العام بصبغة التعدد والمعرفة المقارنة ولنا في عبد الله بن فروخ الفارسي (115/733-176/793) وعبد الله بن غانم (128/746-190/805) وهما من أعلام المدرسة الفقهية القيروانية المبكرة أشهر دليل على ما نذهب إليه، فقد اجتمع الأول بأبي حنيفة وقرأ عليه وصحبه مدة طويلة كما لقي \"مالك ابن أنس\" (93/712- 179/795) وسمع منه الحديث وكتب عنه مسائل وأخذ الثاني عن مالك واجتمع بأبي يوسف (ت182/798) صاحب أبي حنيفة وتتلمذ له5 وكانا يجمعان بين المذهبين ويتخيران منهما.
I-2 المذهب الحنفي من الانتصار إلى الانحسار:
تكاد المصادر القديمة تجمع على العلاقة الوطيدة التي كانت تشد المدرسة الفقهية الحنفية إلى السلطة السياسية وبالضرورة إلى فئات أعلى الهرم الاجتماعي وهذا شأن الدراسات الحديثة أيضا وما ينسحب على المجال المشرقي في هذا الصدد ينسحب على المجال المغربي وخاصة خلال الطورين الأغلبي والفاطمي من تاريخ إفريقية.
فقد كان المذهب الحنفي، فيما يؤكد هادي روجي ادريس، يمثل مذهب الأرستقراطية الأغلبية وعلى هذا الأساس كان دخول المذهب المالكي في صراع معه باعتباره مذهب الفئات الشعبية1، وإلى هذا الرأي نفسه يذهب محمد الطالبي إذ يشير إلى أن أصحاب مالك كانوا أكثر اندماجا في الأوساط الشعبية2، بل إن المصادر الشيعية نفسها تؤكد هذا المعطى إذ أنه كلما تحدثت عن المالكية إلا دعتهم العامة بكل ما يعنيه ذلك ضمنيا من استقطاب لخاصة الأمس المتحالفة مع الدولة الجديدة ضمن الأرستقراطية الماسكة بزمام السلطة 3 .
ومما يفسر تبني النخب الأغلبية الحاكمة للمذهب الحنفي ولاء هذه النخب نفسها لمركز الخلافة العباسية: بغداد حيث مالت كفة الرجحان لصالح مدرسة أهل الرأي ونال أصحاب أبي حنيفة، ولا سيما منهم أبو يوسف مقرر المذهب ووارثه في عهد هارون الرشيد (17/876-193/809) خطوة كبيرة حتى أنه تولى منصب قاضي القضاة وهو أعلى الخطط الشرعية في دولة الخلافة4، بحيث تقوى الأحناف داخل المجال الإفريقي بالنخب الحاكمة للسيطرة على مراكز القرار ومواقع النفوذ وفي طليعتها منصب القضاء وهو المنصب الذي لم يكن المالكية يتولونه إلا استرضاء للعامة وكسبا لولائهم. وتشدد المصادر المالكية على أن هذا المنصب كثيرا ما كان يتخذ مطية \"للاستطالة على طبقة المدنيين وامتهانهم\" وهذا مثلا شأن القاضي الحنفي ابن أبي الجواد والقاضي ابن عبدون ... مما انعكس سلبا على طبيعة العلاقة بين المذهبين فتحولت من التعايش والقبول إلى الصراع بكل ما يعنيه ذلك من اضطهاد لأجل الاختلاف في الرأي وانحياز للسلطان السياسي والنخب الاجتماعية الحاكمة على حساب مصالح فئات أسفل الهرم الاجتماعي. أضف إلى ذلك أن جانبا مهما من رموز المذهب الحنفي قد تطوع لإضفاء مشروعية القداسة على ما كانت تأتيه الأرستقراطية الحاكمة من سلوكات وما كانت تنتهجه من سياسات وذلك استنادا إلى \"رخصة المذهب\" وهو المبدأ الذي كان عنوان تيسير وقاعدة اجتهاد وإعمال للرأي ولكن يبدو أنه كثيرا ما أسيء استعماله , كما تم الانزياح به عن المقاصد الكبرى التي وقع استنباطه من أجلها1 .
وعلى هذا الأساس يمكن القول بأنه كان للمذهب الحنفي دور محوري في تفعيل المشهد الفكري والسياسي الإفريقي إلا أن طبيعة التحالفات التي كان يعقدها مع الأطراف السياسية المتنفذة ستساهم في هيمنته وانتشاره قدر مساهمتها في تراجعه وانحساره.
فما إن سقطت الدولة الأغلبية التي كان الفقهاء الأحناف يشكلون سندها المذهبي حتى تحول ولاء هؤلاء الفقهاء لصالح السادة الجدد، على ما بين الأحناف السنيين والشيعة الفاطميين من اختلافات لا تنحصر في فروع الدين وإنما قد تمتد إلى أصوله، ولم يكن هذا التحالف ليمس من استقلالية المذهب إذ ستظل المدرسة الفقهية الحنفية بالقيروان قائمة الذات ولكن إشعاعها السابق سيتراجع إلى حد كبير يشهد على ذلك – إذا ما اطمأننا إلى المصادر المالكية – غياب الفقهاء الأحناف من المجادلات التي غالبا ما كان الفقهاء المالكية طرفا فيها كما تشهد عليه ظاهرة \"التشرق\" أي ظاهرة انضمام كثير من النخب الحنفية إلى المذهب الشيعي2 . فبم يمكننا أن نفسر هذه الظاهرة وظاهرة ترحيب أرباب الدولة الجديدة من الشيعة الاسماعيليين بها وتشجيعهم عليها ؟
يبدو أن هذا التحالف يجد مبرراته في جملة من الاعتبارات يتداخل فيها الذاتي مع الموضوعي، إذ تجمع المصادر القديمة على التقاء في المصالح بين الطرفين وتناقض مصالح كل من هؤلاء وهؤلاء وهي في نهاية الأمرمصالح الأرستقراطية المتنفذة مع مصالح المالكية وهي بالأساس مصالح فئات أسفل الهرم الاجتماعي وقاعدته الواسعة، فقد اعتنق عدد من الأحناف المذهب الشيعي إما تحييدا للاضطهاد المذهبي المنتظر وإما محافظة على مصالحهم الدنيوية أو انقيادا لأكثر المناصب إغراء بالنفوذ : منصب القضاء وهذا ما يؤكده ابن عذاري حينما يشير إلى أن عددا من العراقيين1 تأهبوا لاقتبال أرباب الدولة الجديدة وأظهروا لهم تأييدا وتملقوهم وتشرقوا 2 فنالوا ما طمعوا فيه من الحظوة والمناصب3 .
وقد كان الشيعة الفاطميون كأحوج ما يكون إلى مثل هذا الدعم الذي قدمه عدد مهم من أتباع أبي حنيفة من أهل القيروان لقضيتهم في هذه البيئة السنية المناوئة التي كان إحساسهم فيها بالعزلة متزايدا فاستغلوا هذا المدد وأيدوه بالامتيازات لما من شأنه أن يوفره لهم من حماية وتحييد لأشد الخصوم تصلبا في التصدي لنشر مذهبهم : فقهاء القيروان المالكية وغالبية السكان التي تقف وراءهم.
ولكن هل تكفي التناقضات الداخلية بين المالكية والأحناف من جهة والخصومات المستحكمة بين المالكية والشيعة من ناحية ثانية وحدها لتبرير هذا التحالف الشيعي الحنفي ضد المالكية ؟ لا يبدو ذلك كذلك إذ تشير المصادر المالكية نفسها، وإن من طرف خفي، إلى وجود أسباب أخرى لهذا الالتقاء هي فضلا عن المصالح الآنية المشتركة أسباب فكرية فقد كان \"الشيعة – فيما يذكر القاضي عياض- يميلون إلى العراقيين لاتفاق مزاجهما وآرائهما في مسألة التفضيل ورخصة مذهبهم1\"، وعلى هذا الأساس فلم يكن دعم الفقهاء الأحناف للقضية العلوية – على حد تعبير فرحات الدشراوي-\" مجرد رد فعل للانتقام من خصومهم المالكية بل كان يمثل بالعكس من ذلك حركة انضواء طبيعي تحت لواء مذهب قد سبق لفقهاء المدرسة العراقية أن أظهروا نحوه ميولا أكيدة منبثقة عن التعاطف الذي كان موجودا بين أبي حنيفة وجعفر الصادق\"2 .
والثابت أن هذا التحالف قد أفضى إلى احتواء الأحناف وتحييدهم عن ساحة الصراع الفكري والديني، ذلك أنهم تخلوا بذلك عن موقعهم كأحد طرفي الاستقطاب الثنائي في المشهد الثقافي داخل المجال الإفريقي ونهائيا لصالح المالكية الذين استفردوا تدريجيا بتمثيل التيار السني واحتلوا وحدهم واجهة التصدي للتيار الشيعي الغازي بحيث انتهى ذلك الاستقطاب الثنائي الذي وسم الحياة الثقافية في العهد الأغلبي، وقد كان بين الأحناف والمالكية، إلى استقطاب بين المالكية والشيعة في العهد الفاطمي. وبقدر ما أسهم هذا التحول في تأسيس الشرعية المالكية وتوطيد أركانها ومن ثمة ترجيح كفتها بعد أن استحال المذهب المالكي مقوما من مقومات الخصوصية الثقافية والاستقلال المذهبي وعنوان اختلاف اجتماعي مع الفئات الأرستقراطية المهيمنة أسهم في تراجع المذهب الحنفي وفقدانه لفاعليته التاريخية بتراجع الأطراف السياسية التي راهن عليها أو راهنت عليه وانحساره بانحسارها من خارطة البلاد السياسية. وعلى هذا الأساس فلن يأتي عهد المعز بن باديس وقد كان التفوق المالكي فيه بينا، حتى عاد المذهب الحنفي مذهبا أقليا كما بدأ وخاصة بعد أن أعلن العاهل الزيري سنة 441/1049 فك الارتباط مع الخلافة الفاطميــــة بالقاهرة و \"أنكـر عليها بعض المذاهب في التشيـــع وحمل الناس على مذهــب الإمام مالك بن أنس وقطع ما عداه\"3.
I-3 العهد العثماني وعودة المذهب الحنفي :
لئن بقي المذهب الحنفي طرفا فاعلا في المشهد الثقافي الإفريقي ببنيته الفقهية المتماسكة وبأعلامه الذين تمكنوا لما لا يقل عن قرنين ونيف من الزمن من المحافظة على تراث مدرسة أهل الرأي في بيئة ثقافية \"لم تكن في حاجة إلى كثير من الافتراضات والاستنباطات والقياسات التي لجأ إليها الفقهاء الأحناف\"1 فإن هذه الفعالية أصبح عدها تنازليا انطلاقا من العهد الفاطمي ويبدو أن هذا العد التنازلي قد بلغ ذروته في أواسط القرن XI/X. فعلى عكس المذهب الإباضي الذي سيبقى مترسخا في المحيط البربري رغم إقصائه عن المواقع الاستراتيجية بالبلاد وسيصمد بتراثه الفقهي الخاص وبمنهجه الذاتي في الاجتهاد واختياراته الخاصة في المسائل المتعلقة بفروع الدين عبادات ومعاملات وربما كان هذا راجعا إلى ارتباطه بالفئات المهمشة في تاريخ البلاد الاجتماعي والثقافي، لن يبقى للمذهب الحنفي أثر يذكر بل إن أمره قد أمسى في عداد المنتهي منذ أواسط القرنXIII/XII حتى أن معتنقيه أو بالأحرى ممثليه قد صاروا من القلة بمكان جعل التجاني صاحب الرحلة في حديثه عن محمد بن إبراهيم الزناتي المعروف بالحنفي (ت655/1257) أحد علماء المهدية يذهب إلى أنه \"لم يكن في هذه العصور كلها ببلاد إفريقية حنفي غيره\"2 رغم أنه اشتغل بالمذهب وكان إماما فيه.
ولن يعود مذهب أبي حنيفة إلى الظهور بالبلاد التونسية من جديد إلا في أواخر القرن XVI/X لما نزل الأتراك بتونس سنة 981/1574 3، بحيث لن تتشكل قاعدته البشرية والاجتماعية إلا من خلال العنصر الجديد أي العنصر التركي الخالص والعنصر الإنكشاري المتكون من أغلب الأجناس الأوروبية والآسيوية المنتمية إلى مختلف المناطق الواقعة تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية والعنصر الكوروغلي وهو العنصر الذي نتج عن استقرار العناصر الإنكشارية بالبلاد واقترانها بنساء تونسيات، كل هؤلاء بالإضافة إلى المماليك أو العلوج الذين اعتنقوا الإسلام1. بمعنى آخر سيكون المذهب الحنفي مرة أخرى مذهب الفئات الاجتماعية المحظوظة بالبلاد وكأن قدره أن يكون دوما مذهب الأرستقراطية الحاكمة. ومهما يكن من أمر فإن توافد هذه العناصر السكانية على البلاد سيرتقي بعدد الأحناف تقديرا إلى عشر المجموع العام للسكان تقريبا2 . وقد كان من الطبيعي أن تكون لهذا المكون الجديد من مكونات التركيبة السكانية للبلاد احتياجاته الثقافية والروحية المميزة وهي بالتحديد احتياجات علمية وقانونية وشعائرية إذ كان من الأكيد أنها تلتقي مع إحتياجات المجموع العام لسكان البلاد الأصليين إلا أنها تتباين معها من حيث المرجعية المذهبية وبالتالي من حيث الخصوصية الثقافية و ربما كانت أكثر اقتدارا على تلبية متطلبات هذا الاجتماع البشري الجديد واستيعاب مختلف خصوصياته.
وعلى هذا الأساس فلقد كان من الضروري أن تنظم من أجل سادة البلاد الجدد والفئات الاجتماعية المحظوظة المرتبطة بهم، وهي التي بيدها ابتداء وانتهاء سلطة القرار في البلاد، \"إدارة خاضعة للقوانين العثمانية\" و \"أن تقام الشعائر الدينية على مقتضى المذهب الموازي للمذهب الجاري به العمل منذ قرون لدى \"العامة\" ولم يكن هذا المذهب الموازي إلا المذهب الحنفي 3 : مذهب أهل الحل والعقد. من هنا تولدت الحاجة إلى بعث مؤسسات علمية وروحية قادرة على إشباع هذه الاحتياجات وإيجاد مراكز إشعاع ثقافية حقيقية سواء في الحاضرة أو داخل الأقاليم كفيلة بتأمين هذه الاحتياجات وتغطيتها بشكل مستديم دونما التجاء بالضرورة إلى الاستنجاد بالباب العالي ولا سيما مع عائق التواصل بحكم اختلاف اللغة، ومن هنا كان سعي الحكام الأتراك إلى تكوين الإطارات العلمية التي تحتاجها الدولة الجديدة في مختلف الوظائف الشرعية والعلمية وهي الإطارات التي كان في طليعة أدوارها نشر المذهب الحنفي وتدعيم أركانه وتأكيد أهميته الروحية والاجتماعية بكل ما يعنيه ذلك من تكريس لمكانة الأحناف ولمنزلة العنصر المنتصر في حياة البلاد السياسية العسكرية والاجتماعية.
على هذا الأساس ستتجه عناية الدايات والبايات الأتراك في القرن XVII/XI وخاصة بعد استقرار الحكم في الأسرة المرادية إلى إحياء الحركة العلمية بإنشاء الجوامع وتأسيس المدارس حيثما لوحظ الحضور التركي ودعت الحاجة إلى خدمة المذهب الحنفي، وفي هذا الإطار :
- أسس يوسف داي أول جامع حنفي بتونس سنة 1021/ 1612 وهو جامع البشامقية وأسس حمودة باشا ثاني جوامع الحنفية بالحاضرة سنة 1066/1655 وهو الجامع المعروف باسمه إلى اليوم كما أنشأ محمد باي المرادي بدوره جامعا ثالثا لتعظيم الشعائر الدينية على مقتضى المذهب الحنفي هو الجامع المعروف حاليا باسم جامع سيدي محرز داخل باب سويقة بتونس العاصمة.
- وتم تجديد مدارس طلبة العلم القديمة مثل الشماعية والمنتصرية وأنشئت مدارس جديدة على غرار مدرسة يوسف داي والمدرسة المرادية 1 .
- وفي الأقاليم ابتنيت عدة جوامع حنفية بمختلف المدن2. وبالتزامن مع ذلك بعثت مدارس عديدة، ولعل أهم هذه المنشآت الدينية والتعليمية هي تلك ظهرت بالخصوص في عهد مراد باي الثاني (1076/1666-1086/1675)، ابن حمودة باشا وخلفه، وفي عهد محمد باي (1086/1675-1108/1696)، نجل الأول في الذكر, فقد ابتنى مراد باي الثاني مسجدا حنفيا بباجة وآخر بقابس3، أما ابنه وخلفه محمد باي فبالإضافة إلى المسجد الحنفي الذي بناه بالقيروان أحدث عددا ملفتا للانتباه من المنشآت التعليمية هي علاوة على \"مدرسته التي أحدثها بباجة\" 1 المدارس الحنفية التي أنشأها تباعا بكل من الكاف وقابس وقفصة وتوزر ونفطة2 .
I-4 المذهب الحنفي \"بوطن باجة\"3
I-4-1 الفترة الوسيطة:
إذا ما استثنينا الوجود الإباضي الذي انحصر تقريبا في الوسط البربري واستبعد إلى أقاصي البلاد وأقل أطرافها أهمية إستراتيجية فإن المصادر الإسلامية الوسيطة على اختلاف أنواعها لا تمكننا من تشكيل تصور ذي بال للخريطة المذهبية التي كانت تنتظم المجال الإفريقي، ولكن الأكيد أن هذا المجال كان بالأساس سنيا تحولت فيه كفة الرجحان تدريجيا من المذهب الحنفي إلى المذهب المالكي.
ولم يكن إقليم باجة ليشذ عن هذه التحولات ولذلك فرغم قلة مصادر استقاء الخبر التاريخي المتصل بمدار بحثنا فإن في ما وصلنا من هذه الأخبار ما يثبت انحياز أهالي الإقليم وحاضرته إلى آراء أهل المدينة في الفقه وبالتالي إيثار غالبيتهم لمذهب مالك بن أنس وصحبه لربطهم ربما بين رمزية المدينة وقيمة العلم الذي كان يحمله أهلها شأنهم في ذلك شأن معظم الأفارقة في ميلهم بحكم بعد بلادهم جغرافيا عن مهبط الوحي، إلى المدينة \"أكثر المواطن تلبسا بالمعرفة الدينية الواضحة القريبة تاريخيا وجغرافيا من الرسول\"4 إلا أن ترجيح المذهب المالكي بهذه المناطق ذات الكثافة السكانية البربرية لا يعني قيام المشهد الثقافي / المذهبي بها على عدم التعدد ذلك أننا نسجل حضورا للمذهب الحنفي بها منذ العهد الأغلبي، قد يكون هذا الحضور أقليا وقد يكون نخبويا ولكنه كان حضورا مؤكدا. أما المذهب الشيعي فرغم تعتيم المصادر السنية عليه فالثابت أنه ظل محافظا على وجوده بها حتى العهد الزيري 1 .
فإذا كان وجود حامية نظامية بقلعتها واستقرار جانب كبير من الأرستقراطية العربية على رأسها أسرة الوزير الأغلبي علي بن حميد المتنفذة2، مما يبرر تعيين حنفي على رأس خطة القضاء بها هو سليمان بن عمران (183/799-270/883) إمام العراقيين بعد أسد بن الفرات فإن هذا التعيين وإن أرضى \"الخاصة\" فما كان له أن يحظى بتأييد \"العامة\" والغالب عليها متى وثقنا بالمصادر المالكية مذهب أهل الحجاز إذ يروى أن أهل باجة اشتكوا القاضي المذكور إلى سحنون فقال : ما تقولون فيه ؟ فقالوا : إنه يحكم علينا بمذهب أهل العراق (أي المذهب الحنفي) فقال : ما قدمته عليكم إلا وأنا أعلم أنه يحكم بمذهبه، فانصرفوا\" 3 . هل يعكس هذا الخبر تسامحا من سحنون وقبولا منه بالاختلاف في إطار وحدة التيار السني ؟ أو يعكس اتفاقا ضمنيا بين المالكية والأرستقراطية الأغلبية وهي حنفية على تقاسم سلطة القرار بحيث تولي السلطة على رأس هذا المنصب كلما دعت حاجتها إلى استرضاء العامة مالكيا وبالمقابل فإن هذا القاضي المالكي يأخذ بعين الاعتبار مصالح الدولة فلا يرى مانعا في استكتاب القضاة الأحناف أو تسميتهم على رأس أهم الأقاليم خاصة إذا كان هؤلاء القضاة من العلماء بالخلاف المطلعين على أصول المذهبين؟ أكيد أن هذا الخبر يعكس وجود صراع بين المذهبين وهو في العمق صراع اجتماعي بين العامة والخاصة ولكنه يعكس أيضا طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين الأحناف و المالكية ولم تكن محكومة دائما بمبدإ الصراع وإنما كثيرا ما كانت تنعقد على توزيع الأدوار وقبول كل واحد منهما بالآخر في الحدود التي لا يمس فيها مصالحه.
هذا ويشير واندرهايدن (Vonderheyden) إلى أن عبد الله بن المغيرة من أوائل الأحناف وأبرزهم وقد كان صاحب اجتهاد وتأليف قيم في الفقه1. ولم نعثر في تراجم علماء إفريقية على علم بهذا الاسم ما عدا عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني (كان حيا سنة 123/740) وهو بالفعل معاصر لأبي حنيفة ولكن تنتابنا شكوك كبيرة إزاء إمكانية تتلمذه لإمام مدرسة أهل الرأي واحتمال تغييب المصادر المالكية لعراقيته وتكتمها عليها فإن صح هذا الزعم فإن هذه الشخصية تكون من أوائل الشخصيات العلمية الحنفية حلولا بهذا الإقليم إذ أن عبد الله بن المغيرة ليس إلا صاحب قصر مغيرة وقرية المغيريين بعبارة صاحب رياض النفوس2 وليست قرية المغيريين على الأرجح سوى المغيرية – الغيرية حسب النطق الحالي- إحدى قرى مدينة باجة التي أشار إليها البكري3 مما يفترض تسرب المذهب الحنفي إلى هذه المنطقة منذ الفترة السابقة لانتصاب الدولة الأغلبية.
I-4-2 العصر الحديث:
سيعود المذهب الحنفي إلى الظهور من جديد بهذا الإقليم كما هو الشأن بالنسبة إلى كامل البلاد مع نزول الأتراك. فقد تكرست في هذا العهد مكانة مدينة باجة الاستراتيجية مركزا إداريا وعسكريا واقتصاديا لكامل منطقة التلال، إذ كانت سوقا كبرى للحبوب وهي الوظيفة التي ما انفكت تستأثر بها منذ العصور القديمة ومنها دورها كعاصمة اقتصادية إقليمية على الصعيدين الفلاحي والتجاري كما كانت قاعدة حصينة لوقوعها على طريق الغزوات القادمة من الغرب وحاجة بايات المحال إلى الإقامة بها كلما خرجوا لاستخلاص الضرائب صيفا، ولذلك فإن أهميتها هذه ستجعلها مركز استقطاب لجالية تركية وفيرة العدد لفتت انتباه الرحالة الإيطالي الأسير روبرتو الياطا جونطليمو إنكليز منذ مطلع القرن XVII/XI 1 . وسيشير المؤرخ محمد الصغير بن يوسف (1693-1771) إلى وجود طائفة كبيرة من الكولوغليين أو الكوالوغلية مستقرين بها في أواسط القرن XVII/XI ، كان هو واحدا منهم2 . وإذا كان حمودة باشا باي المرادي (1631 ـ 1665 ) قد رتب بها وجقا من الصبايحية فالثابت أن قصبتها قد كانت منذ بداية الاستيلاء العثماني مقرا لحامية تركية من الجيش الإنكشاري وقد كاد آغة هذا الوجق/ الحامية الجهوية وهو عجم داي سنة 1019 / 1610 أن يكون ثاني الدايات الذين حكموا البلاد 3 .
وتبرز أهمية هذا الحضور من خلال حجم الملكية العقارية التي كان يحظى بها أفراد هذه الشريحة من السكان4 فضلا عن طبيعة الدور الذي سوف تضطلع به أعيان الأسر المنحدرة من أصول تركية وتحديدا الأرستقراطية الكوروغلية في حياة المدينة الاقتصادية والاجتماعية5 بالتزامن مع دورها في حياتها الروحية ولا سيما ما شهدته من صراع مذهبي – في واجهته على الأقل ـ سيتواصل إلى أواسط القرن الماضي XX/XIV 6 . علما أن أثر هذا الحضور الإثني، وهو يعكس بالضرورة موقع الأحناف الاجتماعي ومن ثمة حجم الأهمية التي يتسم بها مذهبهم في حياة المدينة، مازال ماثلا من خلال ألقاب بعض الأسر سواء منها ما انقرض أو تحول بالتقادم كعائلات ابن بليطة وابن مامي وابن للونة وعبدي الحنفي ووالي وقايجي وعجم وشعيب ... أو مايزال موجودا إلى اليوم مثل عائلات برناز وبولكباشي والميلادي ومبزعية وابن زلاوية وآل ابن يوسف الأحناف1 وآل ابن يوسف الكوروغليين وشلبي والدرويش و تراكي.
وهو ماثل كذلك من خلال المنشآت الروحية والعلمية التي ابتنوها، وهي منشآت موازية للمنشآت الموجودة التي تخص غيرهم من السكان، وقد كانت معدة لتعظيم المذهب المالكي قواعد وشعائر، وتتمثل أساسا في المباني الجنائزية التي أقيمت على أضرحة صلحائهم مثل مقام سيدي بقطاش2 أو الزوايا التي تفرد بتأسيسها من جمع بين \"الشريعة والحقيقة\" من فقهائهم كما هو شأن زاوية سيدي عبد الله نوال3 أو تلك التي رعوها وتقدموا على أوقافها حينما بلغ التصوف أقصى مده الطرقي وصار الانتماء المذهبي يترافق بالضرورة مع الولاء للطريقة وهذا شأن الزواية الرحمانية الأولى 4 وزاوية القسطلي وهي الزاوية الثانية للطريقة الرحمانية بالبلد5.
ولعل ذروة هذه المنشآت تتمثل على الإطلاق في الجامع الحنفي والمدرسة المتصلة به وهي حنفية أيضا وهما المعلمان التركيان اللذان عمدنا إلى دراستهما من دون سائر المعالم الأخرى معمارا وأدوارا لما يتميزان به من خصائص ولما نهضا به من وظائف كان لها أثرها الإيجابي في إنعاش الحركة العلمية بالجهة وهو ما سيتجلى بشكل أوضح في بدايات العهد الحسيني وفي تغطية حاجيات الدولة من الإطارات الشرعية والعلمية فضلا عن تعزيز النفوذ الاجتماعي الأرستقراطية التركية الحاكمة محليا ومركزيا.
II- جامع مراد باي الحنفي : معلما معماريا
II-1 موقع المعلم :
إذا كان الجامع الكبير بمدينة باجة العتيقة، وهو من أقدم المعالم الدينية بها, ينتصب في ميدان تتقاطع عنده وتلتقي لديه أهم أزقة النطاق السكني من النسيج العمراني وينشـد مباشرة إلى مقر السلطة العسكرية , القصبة , ومركز السلطة المدنية , دار القايد , وتحيط به دكاكين العدول وجانب من الأسواق وعند جدار فبلته ينتهي السـور وينفتح أحد أربـاض البلد الثلاثة وهو المعروف بالربــــض القبلي أو \"الربط\"1 فإن جامع مراد باي الحنفي , وهو لا يبعد سوى مائة متر عن المنشأة الدينية الأولى , يحتل موقعا استراتيجيا بالنسبة إلى المحاور العمرانية المتاخمــــــة لا يقل أهمية عن موقع نظيره المالكي ولكنه يختلف عنه إذ يقوم خارج باب العين أحد أبواب البلد2 وبالتالي خارج السورالغربي3 وتحديدا في مستو من الأرض هو أحد سفوح الجبل الذي تتكئ على منحدراته المدينة العتيقة وهو جبل عين الشمس , في نقطة التقاء مسلكي لأهم الدروب والأزقة بل نقطة تقاطع بين \"المدينة\" من ناحية وهي أقدم نويات النسيج العمراني، وقد كانت الأسوار تكتنفها من كل جانب، وثاني الأرباض أهمية هو ربض عين الشمس أو الربض الجوفي4 وربض آخر لعله آخر أرباض البلد ظهورا هو الربض الشرقي المعروف اليوم بحومة الجرابة1 . ونقطة التقاطع هذه لا تلتقي عندها الأحيزة السكنية فحسب بل يلتقي عندها أيضا الحيز التجاري والحيز الروحي مما يجعل منها ليس فقط نقطة التقاء وإنما أيضا علامة هيكلية ومرجع استدلال على توزيع المجال، وتجعل من المعلم الديني المنتصب في الجوار ليس فقط فضاء روحيا ومعماريا واجتماعيا وإنما بالتزامن مع ذلك عنصرا أساسيا مكونا للساحة العامة : ساحة باب العين.
ونظرا إلى أن مبنى الجامع قد أقيم خارج الأسوار فإن ترتيبه العمراني التأسيسي قد صيغ بشكل كان من الممكن معه أن نشاهد حدوده الفضائية من الخارج كاملة فضلا عن الصومعة بحيث شكلت هذه الحدود على هيئة الحصون مثلما هو الحال في جامع عقبة بن نافع بالقــــيروان والجامع الكبـــــير بسوسة ولكن مقتضيات إضافة مدرسة إلى المنشأة الدينية المذكورة في نفس الفترة تقريبا جعل كتلة الجامع تسبح في جانب منها داخل النسيج العمراني للربض تماما مثل الجامع الكبير2، بحيث أضحى التعرف على مكان الجامع داخل التجمــع العمراني ولا سيما شمالا من ناحية باب السبعة وشرقا حيث الأسواق وسماط المدينة أو الشارع العام غير متيسر إلا من خلال الصومعـــــة التي تمثل العنصر المعماري الوحيد الذي يرى عن بعد.
وعلى هذا الأساس فقد كانت المدرسة التي أنشأها محمد باي تحد مبنى الجامع شمالا وما تزال بقاياها وما يليها من نطاق الربض السكني تحد المعلم بعد توسعته من الموقع نفسه. أما غربا فتنفصل كتلة الجامع عن الســــــور بنهج تحت السور (نهج عز الدين العلاء حاليا و نهج الجنينة في زمن أسبق ) ولكنها تتصل به في ذات الآن كما تتصل بالحمام الواقع داخل السور وهو حمام المدينة المعروف أيضا بالحمام الجديد بواسطة خمس أقواس / قناطر تحملها عقود مقوسة1 . والجامع منفصل شرقا عن السماط الممتد بين باب الجنائز جنوبا وباب السبعة شمالا وبالتالي عن جانب من الأسواق 2 بنهج المدرسة وهو النهج الذي تنفتح عليه محلات للحياكة وأخرى معدة لتعاطي مهنة العـــــدالة والتوثيق لا غير وهي محلات كانت موقــــوفة على المدرسة المرادية. أما جنوبا فتمتد ساحة باب العين وهي فضاء مفتوح يفصل مبنى الجامع عن بقية الأحيزة العمرانية المتاخمة ويصله بها في الوقت نفسه.
وأكثر يلفت الانتباه في هذا الفضاء الحضور المكثف للمنشآت الصحية والمائية والروحية إذ ينتصب بها غربا حمام أبي صندل 3 وسبيل يوسف صاحب الطابع4 وقد ظل الأول متصلا بكتلة الجامع بباب ذي فتحات ثلاث يعود إلى العهد الروماني5 . أما في شرقيها فنجد الزاوية الرحمانية الأولى وتتصل بالجامع بواسطة قنطرة / قوس عالية. ولا ينفصل الحيز السكني للبلد عن هذه الساحة ومن ثمة عن جامع الباي القائم في جوارها إلا بجانب من السور يخترقه باب بيزنطي ما يزال منتصبا إلى اليوم في قسم يسير منه وعبره يتم النفاذ إلى ساحة أخرى تقع داخل السور هي ساحة العين (عين باجة ) حيث شيد الرومان أحواضا لحسن استغلال المياه وإحكام تصريفها وشيدوا صهاريج لتخزينها وإمداد الحمامات المتاخمة بها6 وحيث ابتنى المسلمون أماكن أخرى للعبادة هي بالأساس جامع النخلة وزاوية أبي نوا لة : ثاني زوايا الطريقة العيسوية بالمدينة.
وبناء على تعدد المنشآت المعمارية بهذا الموقع وتنوعها فإن المكان يرتقي إلى مستوى القطب المعماري والروحي في آن واحد ناهيك أنه علامة زمنية بما هو نواة تختزن ذاكرة المجموعة وتكثفها.
فالمؤسس، على هذا، لما اختارّ لجامعه هذا الموقع لم يكن اختياره عفويا وإنما ارتبط بمقاصد ودعت إليه ضرورات، اختار الموقع قريبا من أعذب ينابيع المياه وأغزرها واختاره جوار الحمامات لما بين المرافق الصحية و أداء الشعائر التعبدية من تلازم واختاره في عقدة الطريق بين النواة العمرانية القديمة أي البلد واثنين من أكثر أرباضها امتدادا وهما إلى جانب الربض القبلي أكثر أحيزة النسيج العمراني اجتذابا للسكان الجدد من الجالية التركية ثم من الطائفة الكوروغلية , ربض عين الشمس وحومة الجرابة الأمر الذي كان يطرح حاجيات روحية وعلمية كان من الضروري أن يتم إشباعها كما كان من الضروري أيضا أن يضمن لها الإشعاع لاستقطاب مزيد من الأتباع وخاصة في أوساط التجار والحرفيين ... بل إن إقامة جامع حنفي داخل مجال الجامع الكبير وهو المعقل التقليدي للمذهب المالكي يصب ضمنيا في اتجاه الصراع غير المعلن بين المذهب الرسمي للدولة, مذهب الأرستقراطية الحاكمة , ومذهب الغالبية العظمى من السكان وتنازعهما على مواقع السيادة إضافة إلى ما في ذلك من رغبة الأقلية الحنفية في تعزيز حضور مذهبها وإعلاء شأنه بكل ما يعنيه ذلك من دفاع عن مصالحها ومحافظة على كيان الدولة التي تعبر عن هذه المصالح.
II-2 تاريخ المعلم:
يعرف هذا الجامع بالجامع الصغير تمييزا له عن الجامع الكبير أو الجامع الأكبر أو أيضا الجامع الأعظم وهو جامع أغلبية السكان وهم من المالكية والمثابة الروحية المركزية للبلد منذ العهد الزيري على الأقل بحيث تغدو للتسمية من جانب \"الرعايا\" دلالة معنوية تتصل بمكانة هذا المذهب وذاك داخل المجال العقائدي للمجموع العام للسكان وحجم الانتشار الذي يحظى به كل منهما في صفوفهم إلا أن ذلك لا يستبعد أن تكون للتسمية دلالة مادية تتصل بكتلة كل من المنشأتين , ذلك أن هذا المعلم العثماني أقل حجما من نظيره المالكي , ولكن هذه الفرضية تبقى أقل وجاهة من الأولى إذ توجد داخل النسيج العمراني العتيـــــق جوامــــع أخرى مثل جامع التوبة1 وجامع أحمد الجزار وجامع الخطبة ترجع جميعا إلى فترات تاريخية سابقة للقرن XVII/XI وهي كلها أقل حجما من الجامع الحنفي ولكن لم يسم أي واحد منها بالصغير.
ويسمى أيضا الجامع الحنفي لإقامة الصلوات به على قواعد مذهب أبي حنيفة النعمان ولأن الجامع لم ينشأ أصلا إلا لنشر المذهب الحنفي وتدريس المنظومة الفقهية التي يقوم عليها.
كما يعرف بجامع الباي في إشارة إلى مؤسس المعلم والمنصب السياسي الرسمي الذي كان يحتله : مراد باي الثاني ثالث أمراء الأسرة المرادية2 . وإذا كانت المصادر التاريخية التونسية في معظمها3 متفقة على اسم المؤسس وهو مراد باي المذكور يستثنى منها ابن أبي الضياف الذي عد جامع الحنفيــة بباجة من منجزات محمد باي4 وهذا غير صحيح كما سيتضح لاحقا فإن بين الدارسين المعاصرين اختلافا بهذا الشأن لا تبرره المصادر بأي حال من الأحوال، فإذا كان أحمد عبد السلام يؤكد على صواب رأي المؤرخين التونسيين في القرنين 17 و 18 في هذا الصدد5 فإن الباحث الفرنسي بوننفان (Bonnenfant) يذهب إلى أن الحاج بقطاش داي(1097/1686- 1099/1688) هو الذي شيد هذا المسجد كما شيد المدرسة المجاورة له1 , في حين يشير محمد الحبيب الهيلة إلى أن باني المعلم الديني المذكور هو الداي مامي جمل (1084/1673-1088/1677)2 وهذا خطأ لدى الباحثين منشؤه لدى الأول وقد اعتمد على ابن أبي الضياف تداخل مآثر محمد باي مع أخبار الحاج بقطاش داي في نص الإتحاف والتباس الفقرات التي تخص هذا وذاك رغم أن التمايز بينهما واضح بالنسبة إلى قراءة أكثر تأنيا، أما منشأ الخطإ لدى الثاني وقد اعتمد على حسين خوجة فيرجع إلى وجود مآثـــر مراد باي وحسناته ضمن أخبار مامي جمل وقد كان تجنب هذا الخطإ ممكنا لا سيما أن النص المصدري على تداخل بنائه يقطع الطريق أمام أي التباس من هذا النوع.
ومهما يكن من أمر فإن مراد باي الثاني هو بلا جدال مؤسس الجامع الحنفي، نقطع بذلك رغم غياب أية نقيشة في المعلم تؤكد ما نذهب إليه، رغم عدم عثورنا إلى حد الآن على رسم الحبس الذي يخصه3، ليس فقط لاتفاق معظم المصادر على ذلك وإنما لعثورنا في رسم أحباس مدرسة محمد باي بباجة4 على ما يثبت أن المسجد الحنفي الكائن قبلي المدرسة المشار إليها هو جامع مراد باي الثاني قطعا.
لا يعرف تاريخ مضبوط لبناء هذا الجامع ولكن بإمكاننا اعتمادا على الفترة الزمنية التي قضاها مؤسسه في الحكم , وتمتد من 9 شوال 1076 / 14 أفريل 1666 إلى 16 جمادى الأولى 1086/ 8-8-1675 , أن نرجع تاريخ الإنشاء إلى الثلث الأخير من القرن XVII/XI5، ستينات القرن السابع عشر أو سبعيناته على أقصى تقدير، فهو على هذا من أول المؤسسات الدينية الحنفية التي أنشأها الأتراك خارج العاصمة1، وربما كان ثانيها على التحديد. ولعل موقع هذه المنشأة الزمني ضمن شبكة المؤسسات الروحية والعلمية التي حرص الأتراك، ولا سيما خلال العهد المرادي، على تأسيسها تعكس بالإضافة إلى الأهمية الاستراتيجية لمدينة باجة عسكريا وسياسيا بالنسبة إلى استقرار السلطة في الحاضرة، أهمية الجالية التركية التي كانت قد استقرت بالبلد وتزايد حاجياتها الروحية والثقافية بتزايد أهميتها واتساع عددها زد على ذلك الدور المفترض الذي كان لإنشاء الجوامع والمدارس أو ترميمها في استقطاب السكان وكسب ولائهم الأمر الذي يبرر من بعض الوجوه، علاوة على الظروف الاقتصادية السانحة، استراتيجيا البناء والتعمير الديني والمدني التي انخرط فيها الحكام الجدد للبلاد.
II-3 المواصفات والمكونات المعمارية :
II-3 –1 المساحة والملامح العامة :
إن المقاربة الجمالية والمعمارية لمكونات هذا الفضاء الروحي تقتضي منا ابتداء أن نلفت الانتباه إلى التغييرات التي لم تطل رسم تخطيطه التأسيسي فحسب وإنما طالت أيضا كتلته ومساحته وتوزيع فضائه الداخلي. تم ذلك على إثر أعمال التوسعة التي شملته عام 1977.
يظهر ذلك جليا من خلال التراكب الواضح في كتلة هذه المنشأة بين وحدتين معماريتين متباينتين من حيث أسلوب البناء ومواده ومكونات الفضاء ومميزاتها , وما ينسحب على المظهر الخارجي لهذا المعلم ينسحب على وحداته الداخلية بحيث أصبح من غير العسير على زائر المكان أن يلاحظ ذلك الفارق البين بين القسم العتيق من المبنى وهو القسم المرادي الذي تحتفظ بيت الصلاة والمئذنة بأكبر جزء منه والقسم الحديث , ومن المؤسف أن تصميم هذه التوسعة على غرار غالب التوسعات التي طالت معالم دينية عتيقة أخرى وإن كانت قد خضعت لبعض القواعد الوظيفية والعقائدية فإنها لم تول المعايير الجمالية والشروط المعمارية إلا اعتبارا ثانويا.
وإذا كان مبنى هذه المنشأة الدينية يشغل حاليا مساحة مستطيلة تقدر بحوالي 1.254 م2 تقريبا تحتل منها بيت الصلاة حيزا يناهز 710.5 م2 ويمتد الصحن على مساحة تقدر بحوالي 506 م2 في حين تنتصب الصومعة وبعض الملحقات الأخرى في بقية الفضاء فإن كتلة المبنى العتيق من خلال رسوم تخطيطه1 والصور الفوتوغرافية الملتقطة له في فترات سابقة لأشغال التوسيع فضلا عن الشهادات الميدانية لم تكن منتصبة على نفس المساحة وإن كانت بجلها تسبح في غالب هذا الفضاء. فقد كان الحيز التاريخي في جامع الباي منذ تأسيسه منتشرا على مساحة شبه مستطيلة تقارب 847 م2 (22 م × 38.5 م) تجتزئ منها قاعة الصلاة حوالي 352 م2 (22 م × 16 م) ويحوز الصحن ما لا يقل عن 316 م2 (18.9م×16.7م2) أما بقية المساحة فللملحقات. فمن أين تأتى لهذا الفضاء الروحي هذا الاتساع الذي قارب نصف مساحته الأصلية ؟
لقد شرب المسجد الجامع جل ما كان متصلا به من وحدات سكنية وصحية وعلمية : الكتاب ودار الإمام ومكتبه والميضاة القديمة ومدرسة محمد باي في قسمها الأكبر. وهكذا هيمن الحيز الروحي الذي كان جزءا أساسيا من هذا المركب المعماري والثقافي على المركب بكامله , وعلى هذا الأساس تمت إعادة توزيع وحداته الداخلية :
- فقاعة الصلاة القديمة غدت القسم القبلي من قاعة الصلاة الحالية.
- ودخل الكتاب في فضاء القسم العتيق من قاعة الصلاة.
- وأصبحت السقيفة المفضية إلى باب الصومعة والصحن الأصلي جزءا شرقيا من قاعة الصلاة.
- أما الصومعة التي كانت تحتل الركن الشمالي الشرقي من الصحن العتيق فقد صار موضعها، بعد ضم هذا الصحن وإدماجه مع ما يتصل به من ملحقات في قاعة الصلاة الحالية، الركن الشمالي الشرقي من حرم المسجد.
- في حين أقيم الصحــن الحالي على ثلثي مساحة المدرسة التي أسسها محمــــــد باي أو بالأحرى على ما بقي من أنقاضها1 وأنقاض الميضأة القديمة في جزء منها.
يقدم هذا الجامع في مظهره الخارجي واجهات خالية من جل مظاهر الزخرفة والزينة وجسارة النظام الإنشائي وسائر ما إلى ذلك من مميزات مساجد الطراز التركي ويخضع بالمقابل للقاعدة العامة التي انتظمت مساجد الطراز المغربي من حدود إفريقية إلى المغرب الأقصى : الولاء للتقليد المعماري الإسلامي الأول وما يتميز به من بساطة وتناسق ووقار2 .
ومن ثم فإن جامع البــــــاي بباجة رغم أنه يجد مرجعيته في الأنموذج العثماني لم يتأثر على غرار الجوامع الأولى التي تأسست بالبلاد التونسية على أيدي المراديين بالمساجد التركية سواء من حيث مكوناتها أو من حيث قسم من تصميمها إذ استغنى عن الصومعة المثمنة والصحن الذي يحيط ببيت الصلاة من جهاتها الشرقية والشمالية والغربية مثل حرف (U) اللاتيني3 وتخلى عن الواجهة المزخرفة وإنما تأثر في قسم كبير من ملامحه الخارجية وهيكلته الداخلية بالمنشآت الروحية التي كانت واقعة في جواره الجغرافي نعني بالتحديد جامع أحمد الجزار وطرازه أغلبي والجامع العتيق وطرازه فاطمي وهما مثل سائر الجوامع الإفريقية يتميزان بالإضافة إلى الزهد في الزخرفة الخارجية بالصومعة المربعة والصحن المستطيل الذي يتقدم قاعة الصلاة وتحيط به الأروقة – كلما كان الفضاء سانحا- فكأن رغبة الأقلية الحنفية المحلية وحماتها الرسميين قد تمثلت من الناحية المعمارية في إنجاز منشأة بإمكانها أن تنافس في إطار من \"المزايدة المحاكاتية\"1 المنشآت الروحية لمذهب الغالبية العظمى من السكان في مستوى القيمة التعبيرية والفنية وبدرجة أقل على صعيد النظام الإنشائي وهذا ما يظهر بشكل أوضح في الترتيب الداخلي للفضاء والعناصر المعمارية الجديدة التي أدخلت عليه . إنها منافسة بقدر حرصها على تجاوز النمط المعماري السائد تحرص على الانفتاح عليه وإدماج بعض عناصره في الطراز المعماري الجديد.
II-3-2-الأبواب الخارجية:
مثلما هو شأن عدد غير قليل من المنشآت المدنية والروحية القديمة والوسيطة كجامع أحمد الجــزار وزاوية الحــــواريين2 وزاويــــة سيدي محمد المغراوي3 فإن جامع مراد باي الحنفي في وطاء من الأرض الأمر الذي جعل أغلب مداخله تحتوي على دروج تفضي إلى داخل المبنى وهي دروج تقل عند الولوج مباشرة إلى قاعة الصلاة العتيقة من الطريق العام وتتزايد عند الدخول إلى الصحن القديم. وما ينسحب على القسم القديم من الجامع بمختلف وحداته ينسحب على الهيكلة العامة لفضاء هذا الجامع كما استقرت عليه اليوم. وتعكس هذه الظاهرة \"مورفولوجية\" المديـــنة السفلى التي يخف عندها انحدار جبل عيـــــن الشمــس بحيث ينتهي سفحه إلى شبه مستو من الأرض انتصب فوقه هذا المعلم والمركب المتصل به.
كان الدخول إلى حرم المسجد يتم عبر أربعة أبواب ثلاثة منها شرقية تفضي تباعا إلى الصحن مرورا بالسقيفة، فالكتاب ثم إلى قاعة الصلاة جنوبا وواحد منها فقط غربي وينفتح مباشرة على الصحن قبالة باب الصحن الشرقي. وإذا كانت الأبواب الشرقية التي تسترسل من الشمال إلى الجنوب منفتحة على الأسواق إذ لا تفصلها عن السماط الكبير وبصفة جزئية إلا بعض المحلات التي كانت موقوفة على المدرسة المرادية بما يجعل كتلة هذه المنشأة الروحية متأخرة عن خط اصطفاف المباني بالشارع الكبير بما يشبه الدريبة فإن الباب الغربي ينفتح مباشرة على نهج تحت السور الحيز الفاصل الواصل بين النطاق السكني للنسيج العمراني العتيق والساحة العامة : ساحة باب العين حيث المنشآت المائية والصحية وعقدة الطريق بين النواة العمرانية الأصلية أو \"البلاد\" واثنين من أكثر أرباضها امتدادا وهما بالإضافة إلى الربض القبلي أو \"الربط\" ربض عين الشمس وحومة الجرابة.
ولما كان الأمر على ما بينا فإن هذه الأبواب تغدو ناطقة بقليل أو كثير بمختلف أحيزة النسيج الحضري للمدينة العتيقة ووظائفها الاجتماعية المتباينة.
تشتمل هذه المداخل على أبواب خشبية يتكون كل واحد منها من مصراعين لا يحتويان على أية عناصر زخرفية مميزة ما عدا المسامير ذات الرؤوس نصف الكروية وهذه الطريقة في تحلية الأبواب من التأثيرات الأندلسية التي تواصل العمل بها في الباب التونسي التقليدي إلى اليوم. وتتوزع هذه المسامير على كامل مساحة الباب وترصع محيطه بالتمام وتتركز بأحجام وهيئات زخرفية مغايرة فوق المدقين. وكل من هذه الأبواب مستطيل الشكل متوسط الحجم (1.25 م × 2.50 م) موحـــده ما عدا باب الكتاب فهو أصغر حجما . ويحيط بكل باب إطار من الكذان1 يطوقه في مستوى الساكف والقائمين / العضادتين. ويختص واحد من هذه الأبواب فقط وهو الباب الجنوبي الشرقي للمعلم، أقدم الأبواب وأبقاها حاليا، بتتويجه في أعلى ساكفه : شمسية بيضوية الشكل على هيئة كوة محمية بالحديد المشبك تساعد على دخول الضوء والهواء إلى قاعة الصلاة الأصلية. أما بقية الأبواب فلم تتجه العناية إلى صيانتها وترميمها، وقد كان ذلك ممكنا، وإنما وقع الاستغناء عنها وتعويضها بأخرى مغايرة في ملامحها الأساسية، فقد سد باب الكتاب وصار باب الصحن الشرقي القديم يفضي رأسا إلى قاعة الصلاة وهذا شأن الباب الغربي للصحن نفسه , وتحول مدخل دار الإمام في القديم، وهو باب كان متعامدا مع باب المدرسة المرادية، إلى مدخل للفضاء المخصص لصلاة العنصر النسائي وأصبح الباب المفضي إلى الميضأة القديمة منفذا شماليا شرقيا للصحن الجديد يقابله في الطرف الآخر من هذا الفضاء المكشوف منفذ آخر بالمواصفات ذاتها تقريبا إلا أنه غربي المفتح.
ورغم ما يلاحظ من تفاوت بين الأبواب الخشبية التي تم تركيزها في هذه المداخل من حيث الأبعاد فإن تماثلها في الشكل واتحادها في العناصر الزخرفية يجعلها بالتقادم مؤشرا من مؤشرات التغييرات المعمارية التي أدخلت على المعلم فجميعها تعلوه شمسيات نصف بيضوية قدت من الحديد المشبك وقع تضمينها في جزء الباب الأعلى ذي الشكل المقوس وجميعها اقتصر من الزخرفة على المستطيلات الخشبية المتوازية وفي جميعها يتراكب الشكلان المستطيل والمقوس ومن جميعها أيضا غاب إطار الكذال التقليدي غياب المعايير النمطية التي وسمت الأبواب الأصلية لهذا المعلم شكلا وحلية.
وتبقى الأبواب الشرقية في هذا الجامع من الناحية العملية أهم المداخل إذ توجد في الناحية المواجهة للأسواق وهي من أكثر الفضاءات التي يرتادها الناس وتنفتح على مختلف المسالك الفرعية التي يؤمها كل القادمين من مختلف أحيزة النسيج العمراني.
II-3-3 الفضاء الداخلي : وصف وتحليل.
يبدو أن البرنامج المعماري لفضاء الجامع العربي قد انتظم وتحدد بصورة نهائية داخل المجال المغربي منذ القرن IX/III ولذلك فإن محددات هذا البرنامج ستظل هي نفسها بالبلاد التونسية رغم تعدد التأثيرات المعمارية التي شهدتها عبر القرون وتنوع مرجعياتها.
وقد قام البرنامج الفضائي لمساجد الطراز المغربي بالأساس على مكونين رئيسيين :
- فضاء مكشوف هو الصحن تجري الأروقة على طول جوانبه الأربعة مكونة في الجهات الشرقية والشمالية والغربية مجنبات في حين يكون الرواق القبلي ما يسمى بهوا تتوسطه عادة قبة في امتداد البلاطة المحورية أو الرواق القاطع تسجل غالبا مدخل قاعة الصلاة والصومعة وإن استقرت مكونا إنشائيا من مكونات الصحن إلا أنها لا تحتل فيه بالضرورة موقعا ثابتا وإنما تتحكم في تحديد موقعها أفضل إمكانات مشاهدتها من مختلف مسالك النسيج العمراني.
- فضاء مسقوف هو قاعة الصلاة تنتظمه أروقة عرضية موازية لجدار القبلة تسمى أساكيب وأروقة رأسية متعامدة مع هذا الجدار ومفضية إليه هي البلاطات ومن أبرز ما يؤثث هذا الفضاء المحراب والمنبر وقبة المحراب التي ينتهي عندها المجاز القاطع، أوسع الأروقة وأوسطها في آن.1
فما هي خصائص هذه المكونات في جامع مراد باي الحنفي وما هي مدلولاتها ؟
II-3-3-1 الصحن والأروقة :
لوصف الصحن من الضروري أن نحاول استحضار الحالة الأصلية 2 التي كان عليها , وقد شاهدناها عيانا , والمقارنة بينها وبين حالته الراهنة.
كانت باحة هذا الفضاء تحتل غالبا القسم الشمالي من قاعة الصلاة الحالية وهي عبارة عن مساحة خفيفة الاستطالة تمتد من الشمال إلى الجنوب طول ضلعها الشرقي 18.9م وطول ضلعها الجنوبي 16.7م. وبهذا فهي تشغل حيزا يقدر بحوالي 316م2 وهو حيز دون الحيز الذي تشغله قاعة الصلاة بقليل إلا أنه يمتد على قرابة 37.5% من المساحة الجملية للجامع. والواضح أن قياسات الصحن قد خضعت لنفس القواعد التي حددت قياسات قاعة الصلاة وهي الشكل المستطيل الذي يفوق عمقه عرضه بقليل أو كثير.
هذه الباحة تحميها ثلاث مجنبات وبهو، وهذه المساقف أو الظلات أروقة رأسية على الجانبين الشرقي والغربي وأخرى عرضية شمالية وجنوبية لا يتجاوز عمقها ثلاثة أمتار وتبعا لذلك وكما هو الحال في معظم المساجد التاريخية بالبلاد التونسية فكل منها مؤلف من مجاز واحد في كل جانب1.
وتحف بهذه المجنبات من جميع الجهات ثلاثة عقود مقوسة لا تقوم على أعمدة كما هو الشأن في الجامع الكبير الواقع في الجوار بل على دعائم/ بدنات مكعبة تصطف أربعا أربعا من كل جانب وتحمل سقفا متواتر الاحديداب كله أقبية مستطيلة. وقد ختمت أعالي واجهات هذا الصحن بتتويجه من القرميد الأخضر تراكبت فيها القطع المحدبة مع القطع المقعرة.
وعلى هذا الأساس فإن المهندس الذي أشرف على بناء هذا المعلم وإن خضع لمتطلبات الهندسة المعمارية العثمانية في قاعة الصلاة خضوعا كاملا2 فإنه لم يخضع لها في الصحن إلا جزئيا , فباستثناء محراب الصحن وهو من التقاليد المعمارية التي لم تعرفها العمارة المسجدية بإفريقية قبل العصر التركي وقد تطلبته الضرورات المناخية المحلية وتدفع الناس صيفا إلى أداء بعض الصلوات في الهواء الطلق بدل الانزواء لها داخل الفضاءات المغلقة مما يكرس التأثير العثماني في عمارة هذا القسم من المعلم , فإن التأثيرات التي سيطرت على نمط هذا المبنى ذات صبغة محلية، يظهر ذلك من خلال تبني المستطيل شكلا للصحن وهو الشكل الذي وسم كل المساجد التي بنيت بالبلاد التونسية حتى مطلع القرن XVII والتخلي بالمقابل – وربما كان ذلك لاعتبارات تتعلق بطبيعة الفضاء الذي اختير لإرساء مبنى الجامع 3- عن الصحن الذي يحيط ببيت الصلاة شرقا وشمالا وغربا على هيئة حرف (U) اللاتيني وهو الشكل المعماري الذي وسم المساجد التي شيدت على الطراز العثماني إبان هذه الفترة بمدن تونسية مختلفة وخاصة بالعاصمة مع تأسيس جامع يوسف داي سنة 1021/1612. كما يظهر في محاكاة الترتيب العام للصحن المحلي وهو الترتيب الذي يفضي فيه فناء المسجد إلى قاعة الصلاة بواسطة رواقية، علما أن البهو المقبب أو المقبو لم يستقر في التقاليد المعمارية الإفريقية إلا خلال القرنين X/III و XI/IV . فكأنما في معمار هذا المعلم إذن ترافد بين الفن المعماري المحلي والهندسة المعمارية العثمانية.
وأرضية هذا الفنـــاء مبلطة بالكامل بنوع من الحجارة الصقيلة تسمى \"الفـــرش\" أو \"الرصف\". ولأن مستوى هذا الفناء مرتفع بعض الارتفاع على مستوى أرضية بيت الصلاة بني في وسطه مـــاجـل لاستيعاب مياه الأمطار عبر مزاريب مضمنة , وعلى جانب من هذا الماجل بئــر عذبـة يحمي فوهــــتها مثاب مكعب حجري يحمل بعض النقوش ومنها كان المصلون يتزودون – وقت الحاجة – بالماء الصالح للشراب.
نلج الصحن من مدخلين أحدهما شرقي يتصل بالنطاق التجاري والحرفي وثانيهما غربي ينفتح على النطاق السكني ولذلك فباب الصحن الشرقي تماما مثل باب بيت الصلاة الشرقي أكثر مداخل الجامع أهمية من الناحية العملية حتى أن نظيره الغربي – لقلة اعتماده – لا يفتح إلا أيام الجمعة والعيدين.
وكما ييسر الفناء عملية الدخول من الخارج فإنه يتيح عملية التحرك في الداخل باتجاه الميضاة القديمة وباتجاه قاعة الصلاة. هذه القاعة يظل فيها البهو ثلاثة أبواب مستطيلة الشكل تتوسط الرواق يتخللها شباكان بالمواصفات نفسها. ولا تسترعي هذه الأبواب الانتباه إلا بإطار الكذال الذي يجري على جوانبها وسواكفها وقد تخلى الفناء بعيد أعمال التوسعة عن موقعه لفائدة بيت الصلاة كما تنازل عن وظائفه لصالح الصحن الجديد ولكنه لم يتنازل له عن ذلك إلا بعد أن أملى عليه المحافظة على نفس البرنامج الفضائي الذي كان ينتظمه مع تعديلات جزئية في الأبعاد والعناصر الإنشائية، فقد عوض الجليز الحجارة الصقيلة بلاطا للأرضية واستبدل في المجنبات السقف المحدب بالسقف المسطح وحضرت السواري لحمل العقود بدل الدعامات أو البدنات : أربع وعشرون سارية اسطوانية ذات تيجان تركية حديثة تحمل عقودا نصف دائرية تتوكأ عليها بدورها قناطر تكون قاعدة السقف. وصارت الميضأة، وإن استقلت بمدخلها عن فضاء المعلم، تحتل كامل المجنبة الغربية مقتطعة بذلك جزءا من الصحن بعد أن كانت بناء ملحقا غير مندمج في جسم المسجد وإن اتصل به من حيث المدخل.
II-3-3-2 قاعة الصلاة :
يخضع إرساء مبنى قاعة الصلاة مثلما هو الحال بالنسبة إلى الجامع برمته لقاعدة استقبال الكعبة وبالتالي الاتجاه إلى مكة عند إقامة الصلاة بدليل الآية: فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره1 ومن أجل ذلك كان تحديد القبلة الاعتبار الأهم في إرساء مبنى المؤسسات الروحية الإسلامية وفي مقدمتها المساجد والزوايا.
وعلى هذا الأساس قام المعماري المخطط للمساجد بتصميم قاعة الصلاة على صورة مستطيل يتوافق فيه المحور الطولي مع القبلة، واعتبارا للاتجاه الطولي في تهيئة الفضاء كان عمق قاعة الصلاة أقل من عرضها. ومرجعية هذا الترتيب عقائدية تتصل بفضل الصف الأول في التقليد النبوي بما يقتضي تسوية الصفوف ورصها في الاتجاه العرضي بالتزامن مع ملئها انطلاقا من الصف الأمامي2 .
وهذا انتظام \"لا يمكن الحصول عليه في تصميم آخر غير المستطيل العرضي إذ لا يمكن أن يعطينا أي شكل آخر بما في ذلك المربع المساحة المطلوبة لامتداد الصف الأول بصفوف المصلين\"3 .
وقاعة الصلاة في جامع الباي، رغم العناية الخاصة التي صرفها لها مبتنيها مما جعلها تستحضر كثيرا من المؤثرات العثمانية فيما يكونها من عناصر، لا تقطع مع التقاليد المعمارية المحلية ولا سيما من حيث الاحتفاء بطابع البساطة الذي يميز مساجد الطراز المغربي الأول.
فقد حافظت في تخطيطها على شكل المستطيل العرضي الأمر الذي جعل عرضها أكثر من عمقها مثلما هو الشأن في سائر المساجد الإفريقية الأنموذجية كجامع الزيتونة بتونس وجامع عقبة بن نافع بالقيروان والجامع الكبير بصفاقس والجامع الفاطمي بالمهدية... فعمقها ستة عشر مترا وطول جدار القبلة فيها وهو عرضي اثنان وعشرون مترا مما يجعلها تحتل حيزا يمسح352 م2 تقريبا أي نسبة 41.5% من مساحة المعلم الجملية. ولكن التوسعة الأخيرة قلبت هذه المعطيات رأسا على عقب ذلك أنها وإن وسعت مساحة هذا الفضاء إلى حوالي 710.5م2 وجعلته يستأثر بما يقدر بــ 56.6 % من مساحة المعلم فإنها اضطرت إلى جعل عرضه أقل من عمقه بما يساوي الثلث الأمر الذي أعطاه شكل المستطيل الطولي.
ورغم أن هذه القاعة تشكل حاليا امتدادا فضائيا موحدا فإن زائرها يميز بسهولة بين جزأيها الجنوبي، وهو الجزء العتيق، والشمالي، وهو الجزء الحديث، للاختلاف البين في موادهما الإنشائية وبعض ملامحهما المعمارية فضلا عن انفصال غابة السواري الاسطوانية التي تؤثث كل واحد منهما بصف من الدعامات المتوازية الأضلاع.
فقاعة الصلاة العتيقة تنتظمها أربعة أساكيب وخمس بلاطات وبلاطة1. وتفوق عدد البلاطات على عدد الأساكيب من مستتبعات المستطيل العرضي وإذا كانت الممرات الموازية لجدار القبلة على الانتظام الزوجي وهو أحد انتظامين تخضع لهما قاعة الصلاة في المؤسسات الروحية الإسلامية فإن نظيرتها المتعامدة مع هذا الجدار قد خرجت عن مرجعها المألوف وهو قاعدة الانتظام الفردي بعد أن دعت ضرورات موقع إرساء المبنى إلى تعزيز مساحة حرم المسجد بفضاء جانبي وبالتالي إضافة بلاطة سادسة أربكت التوازن الفضائي داخل قاعة الصلاة وانحرفت بالمجاز القاطع عن موقعه المحوري الذي يقسم هذه القاعة في العادة نصفين متوازيين. علما أن الانتظام الفردي من مستلزمات إقامة المحراب في محور جدار القبلة.
والملاحظ أن قياسات الرواق الأوسط المواجه للمحراب والرواق الجاري مع جدار القبلة زائدة على قياسات بقية الأروقة الرأسية والعرضية وبهذا التشكيل يصبح المعلم خاضعا \"للترتيب التائي\"1 وهو أكثر النماذج انتشارا في عمارة المساجد2 .
وترتكز هذه القاعة على أعمدة، وهي نوعان أساطين ودعامات / بدنات، سوار مستديرة وأخرى متوازية الأضلاع، يبلغ عدد الأولى سبع عشرة (17) سارية3 ويبلغ عدد الثانية اثنتين وعشرين (22) دعامة، منها ما يفصل اليوم بين قسمي بيت الصلاة القديم والحديث ومنها ما هو موزع بين جدار القبلة والحيطان الغربية والشمالية. وتيجان هذه الأعمدة صنفان: تيجان تركية متكونة من أوراق الأكانتس تنتهي في الأعلى بشكل حلزوني بارز4 تاجان منها يحليان عمودي المحراب وخمسة تحلي سواري المسكبة الجنوبية الموازية لجدار القبلة، وتيجان حفصية هي بقية تيجان قاعة الصلاة العتيقة.
هذه السواري هي العنصر المعماري البنيوي المرتب لهذا الفضاء إذ تشكل نوعا من الشبكة، شبكة من المربعات المتقاطعة هي التي ينتج عنها عمليا انقسام حرم الجامع إلى مسكبات وبلاطات. وإلى جانب جماليته يتولى هذا الترتيب المعمد لقاعة الصلاة حمل عقود مقوسة في شكل أنصاف دوائر خالية من أية حلية تذكر سوى انشدادها إلى بعضها البعض بواسطة أربطة حديدية وخشبية سميكة تسمى وترات أو \"قطاين\"، صحيح أنها تقلل من مسحة الفضاء الجمالية ولكنها بالمقابل تحول دون انفراج الأقواس تحت ثقل الجدران التي تجمع السواري حسب خطوط مستقيمة تدعى بائكات.
وإذا كان الغالب في الجوامع العربية أن تكون البائكات متعامدة مع جدار القبلة فإنها قد تشكلت في هذا المعلم على نحو متقاطع تعامدت فيه هذه البائكات وتوازت مع جدار القبلة في نفس الوقت إلا أن انتظامها في اتجاه التعامد متواتر على عكس انتظامها في اتجاه التوازي الذي يبدو نسقيا ولكنه محكوم بمنطق التناوب، وكأن هذه البائكات حريصة على شد الزائر إلى اتجاه القبلة بحكم هذا التلاحق العمودي ولكن دونما خضوع لمفعول الجدران التحديدي ذاك الذي تبطله شبكة تقاطع البائكات توازيا وتعامدا مما يخلق حركية في جميع الاتجاهات. هذا أفقيا، أما عموديا فإن تلاحقها يفضي إلى تواري السقف بفعل منظومة العقود الجارية في الاتجاه المتعامد مع البائكات.
على هذه العقود يقوم السقف وهو خاضع لانتظامين مقبو ومسطح، القبو هو القاعدة، فالسقف المحدب يمثل نهاية جمالية معقولة للمبنى إذ هو بمثابة التتويجة التي تدل على أن البناء قد انتهى وهذا شأن قاعة الصلاة العتيقة في معظم أروقتها والاستثناء هو سقف القطائن المسطح الذي نجده في \"رواقها الطفيلي\": الرواق السادس. على أن ما كان استثنائيا في سقف الجامع التقليدي سيغدو أنموذجا قياسيا في سقفه الحديث.
من جهة أخرى نلاحظ أن هذه القاعة - ولاعتبارات مناخية- مبلطة بالآجر الأصم أو الطوب وهو ما يعطي نوعا من المفعول التكييفي لمناخها إذ الآجر الأصم يمتص الحرارة صيفا ولا يبرد كثيرا في الشتاء وعلى العكس من ذلك جاءت أرضية القسم الشمالي الذي استدعى الارتجال في إنجازه تبليطه بالإسمنت.
وبالرغم من أن أرضية هذا الفضاء المعمد تعطي الانطباع بأنها مساحة محدودة فإن بساطها المنتظم بالحصير والزرابي والتكرار اللامتناهي للسواري فيها يمتص هذا الانطباع ويبعث الإحساس بالامتداد وانتفاء الحدود مما يبطل المفعول التحديدي للجدران والسقف ويكسب المكان روحا، إذ لا ينشد فيه الإنسان إلى اتجاه معين قدرا نشداده إلى المطلق ذلك أن الاتجاهات كلها تمسي لديه متساوية.
أفلا يفضي هذا الانفلات من قيود المكان إلى الإحساس بالسكينة والاطمئنان ويوفر شرط الأساس في عملية الصلاة وهو الخشوع ؟
ومن المهم أن نـنتبه إلى أن التوسعة التي مست المعلم ككل وقاعة الصلاة على وجه الخصوص بإضافة خمسة أساكيب كاملة إليها بكل ما ترافق مع ذلك من شبكة متقاطعة من الأروقة وغابة من السواري الدقيقة لم تمس في شيء وحدة المكان الأصلية بل زادت من قوة تأثيراتها الأولية بحكم توسع مساحة هذا الفضاء ودعمتها.
إذا ما دخلت من باب الصحن الأوسط قديما مثلما هو الشأن حديثا تجد نفسك في الرواق المتعامد مع جدار القبلة والممر المؤدي مباشرة إلى المحراب وهو في القسم الجنوبي من قاعة الصلاة آنق وأظهر من امتداده في قسمها الشمالي. تعلوه جوفا قبة حديثة يصل قطرها إلى ثلاثة أمتار عند تعامد هذه البلاطة مع الأسكوب الثالث شمالا تحملها أقواس وتوجد في أعلاها شمسيتان للإضاءة والتهوئة. هذا في الحيز المسطح أما الحيز القبوي فيشتمل على قبتين يفصل بينهما قبو مستطيل كأنما تشكل من اجتماع قبتين على زاوية قائمة1، قبة أولى ترتفع فوق الاسطوانة الرابعة من هذه البلاطة أما الثانية فهي قبة المحراب وتقع في الاسطوانة الأولى عند تقاطع هذا الرواق مع الأسكوب الأول الموازي لجدار القبلة وهي قبة نصف دائرية واسعة سامقة يدخل النور إليها من أربع نوافذ على شكل شمسيات خشبية مخرمة منفتحة في الجدار الاسطواني الذي يحملها وهي مرتكزة على أربعة عقود محمولة على أربعة أعمدة اسطوانية ذات تيجان تركية. وهذه القبة بسيطة لا تتميز بأية حلية زخرفية ذات بال ما عدا بعض التجويفات الركنية الصدفية المؤطرة بأحزمة من الطوب البارز والمشكاة المعدنية التقليدية التي تتدلى منها فضلا عن تشكيلة الألوان التي تعكسها ألواح زجاج نوافذ رقبة القبة المسماة شمسيات أو قمريات وهي الأخضر والأزرق والأحمر والذهبي، ولم تستدع هذه الألوان بالتحديد دون غيرها إلا لما لها من دلالات روحية في وجدان المؤمنين ومخيالهم إذ هي على حد تعبير عفيف بهنسي \"ألوان الجنة كما وردت في القرآن الكريم: السندس الأخضر والاستبرق الأزرق والمرجان الأحمر واللؤلؤ الأبيض والياقوت الأحمر القاني\"1. ومن ثمة يمكن اعتبارها من العناصر المعمارية التي تتظافر لتمكين الميسم الروحي في عمارة المعلم وتدعيم اقتران العمارة المسجدية بنظام شديد الانفتاح يشف عن قوانين الإبداع التي تحكم العقل المعماري الإسلامي. ويتجلى هذا النظام بالخصوص من خلال التقاء القبة بشكلها نصف الدائري مع بنيان الجامع المكعب، يرمز المكعب المستطيل إلى الأرض بجهاتها الأصلية الأربع وبالتالي فإنه \"يعبر، حسب المرجعية الدينية عن المدى الجغرافي لملكوت الواحد2\", كما يرمز إلى فصول الأرض الأربعة وعناصرها الأربعة : الماء والهواء والنار والتراب, وترمز القبة إلى السماء والمطلق وإلى العرش الإلهي المحيط, ويرمز تراكب المكعب مع الشكل نصف الدائري إلى التقاء الأرض بالسماء واتصال العالم السفلي بالعالم العلوي واتحاد المحايث مع المفارق وبالنتيجة تعالق الذات الإنسانية مع الذات الإلهية3. وإذا كان الإنسان –لدى الإغريق- قد وجد في الدائرة رمزا للسماء لأنها ترسم حركتها ووجد في المربع رمزا للأرض لأنه أمثل شكل يعبر عن الصلابة والجمود والسكون فلا غرابة أن يرى المسلمون في قبة المسجد قبة السماء وأن يروا فيها نصف الكون وأن يجدوا في قاعة الصلاة النصف الثاني للكرة الكونية وأن يروا في شمسيات رقبة القبة أو قمرياتها \"كواكب درية\". و\"هكذا يصبح المسجد كونا صغيرا سماؤه القبة وفضاؤه الصحن وكواكبه النوافذ والمشاكي\" 4 .
II-3-3-3 المحراب :
المحراب1 عنصر معماري بنيوي احتاجه المسلمون ليكون مقام الإمام في قاعة الصلاة ومن هذا الموضع الذي يشير إلى القبلة ويحدد اتجاهها بدقة يتولى الإمام توحيد حركات القيام والتكبير والركوع والسجود والجلوس والتسليم وما إلى ذلك من الطقوس أثناء الصلوات الجماعية. ولأن المقام الطبيعي لمن يؤم الناس في الصلاة هو مقدمة الصفوف ووسطها وبالتالي محور الفضاء الذي يقف فيه فما كان للمحراب، تبعا لهذه الاعتبارات، إلا أن يكون في محور قاعة الصلاة ومن ثمة في صدر حرم المسجد وأرفع مكان فيه.
ولم يكن المحراب مجرد إشارة سطحية على جدار القبلة وإنما تجويفة في هذا الجدار ذاته إلا لاعتبارات تتعلق بإحكام استعمال الفضاء المتاح داخل حرم المسجد وعدم إهدار أية مساحة منه ذلك أن أية هيئة أخرى للمحراب ما عدا هذه الهيئة ليس من شأنها إلا أن تترك مساحات ضائعة في قاعة الصلاة هي المساحتان الواقعتان على يمين الإمام وشماله في الحين الذي يجنبنا موضع المحراب المضمن مثل هذا الضياع.
ولما كان دور المحراب بمثل هذه الأهمية من الناحية الوظائفية فقد كان من الطبيعي أن يكون من أكثر وحدات الجامع استقطابا وشدا للانتباه، يكفي للاستدلال على ذلك أن المجاز القاطع وهو الرواق الرئيسي في المسجد يفضي إليه وأن بلاطة المحراب هي أوسع البلاطات وأولها من حيث طاقة الاستيعاب وأن أبرز القباب وآنقها عادة هي قبته وما كان لها أن تقوم في مكانها ذاك إلا لتدخل له الضياء والنور على السواء فتنيره وتسلط الأضواء على واجهته وتجعل من ثمة حضوره حضورا مميزا في فضاء قاعة الصلاة.
ومحراب جامع الباي، على غرار المساجد الإفريقية الأولى1، حنية ذات مسقط نصف دائري قطرها 2.20 م وعمقها 1.20 م وارتفاعها 3 أمتار ويحمل هذا المحراب قوسا حدوية (Arc en fer à cheval) تتكون من فقرات متناوبة/ مرقطة: بيضاء وسوداء كما هو الحال في الجامع العتيق المجاور وفي بقية مساجد الطراز العثماني مثل جامع يوسف داي وجامع محمد باي بالحاضرة.
وتقوم هذه القوس على عمودين رخاميين يعلو كل واحد منهما تاج من الطراز التركي، ويكتنف حنية المحراب وقوسه إطار مستطيل من الرخام الناصع مخرم ببعض الرسوم النباتية والهندسية ويحف بهذا الإطار يمينا وشمالا عمودان بنفس ارتفاع بقية أعمدة قاعة الصلاة يحملان بدورهما تيجانا تركية.
ولكن لماذا اتخذ المحراب شكلا نصف اسطواني في جزئه السفلي وآخر قبويا في قسمه الأعلى ؟
يبدو أن هذا الاختيار الهندسي وظائفي هو الآخر حجر الزاوية فيه توزيع صوت الإمام إلى جنبات قاعة الصلاة وإيصاله إلى جميع المصلين في حرم الجامع إذ من المعلوم أن \"الشكل نصف الاسطواني للتجويفة وسقفها ذا المساحة الدائرية يعين على إرجاع صوت الإمام إلى الخلف لتوزيعه على مسامع المصلين المصطفين وراءه\".2
ومن المهم أن نشير إلى أن هذا المحراب قد ظل -عموما- محافظا على مواصفاته المعمارية التأسيسية إذ لم تطرأ عليه تغييرات جوهرية ما عدا غشاء الجليز الخزفي الأبيض ذي البريق المعدني الذي حل في جزئه السفلي محل اللوحات الرخامية القديمة التي أتلفت بمفعول انفجار قنبلة من مخلفات الحرب العالمية الثانية مما يجعله بزخارفه وتحليته من أبرز ما في هذا الفضاء المعماري من وحدات.
II-3-3-4 المنبر :
المنبر مرقاة الخطيب وإنما سمي منبرا لارتفاعه وعلوه، اتخذ هذا الشكل حتى يمكن الخطيب في الجمعة والعيدين من الارتفاع قليلا على جمهور المصلين بحيث يحتل موقعا يرونه منه جميعا ويتمكن هو من الإشراف عليهم بنظره.
ومنبر هذا الجامع جزء من عمارة المعلم ولم يكن المنبر على هذه الشاكلة إلا لأن المسجد حنفي وعادة الأحناف على عكس المالكية ولا سيما مع مجيء العثمانيين الاستغناء عن المنابر المتحركة واتخاذ الثابت والقار منها1 . ومن ثمة فإنه من أكثر العناصر المعمارية البنيوية في هذا الفضاء تعبيرا عن إعلان الطراز التركي عن حضوره بكل وضوح داخل المجال الإفريقي2 .
هو إذن منبر تركي يحاكي محاكاة تامة منبر جامع حمودة باشا المرادي بالعاصمة، بني إلى جدار القبلة بالحجر وهو مكسو من جميع جوانبه بألواح من الرخام المحلي طوله 4 م وعرضه 1 م في حين يصل ارتفاعه إلى 2.80م. يتميز رسمه التخطيطي بمدخل ومصعد ومجلس :
1- مدخل رخامي يصل ارتفاعه إلى 2.80م ينتهي بقوس حدوية / نصف دائرية متناوبة الفقرات / مرقطة على غرار قوس المحراب، تقوم على عمودين من الرخام (1.75م) تاج كل منهما من الطراز التركي. وفوق هذا العقد يرتفع قوس يحمل تاجا يتضمن كتابة تتمثل في الشهادتين: لا إله إلا الله محمد رسول الله وهي كتابة تحاكي تلك التي نشاهدها مثلا في منبر جامع يوسف داي ومنبر جامع محمد باي بالعاصمة. وتقتعد التاج مزهرية نباتية سوداء مزخرفة.
2- مصعد حجري : يصعد الإمام عبر المدخل سالف الذكر معتليا درجات السلم وهي سبع درجات. يزين درجات هذا السلم في أسفل كل جانب من الوسط باب ذو ساكف مستقيم وقوس مفرغة / كوة مقوسة (قطرها 1م) بعقد مثل عقد المحراب، وعقد باب المنبرمتناوب الفقرات وعلى جانبي المنبر يجري شريط زخرفي يتكون من وشاحين أسودين متحابكين.
3- مجلس تنفتح عليه من جهة القبلة شمسية بلورية محمية بالحديد المشبك وينتصب عليه جامور مماثل لجامور أعلى المئذنة هرمي الشكل يحتوي على أربعة أعمدة صغيرة تحمل عقدا منفرجا كقاعدة للقوس التي تحمل الجامور.
II-3-3-5 الســـــــــــدة1 :
تشغل السدة في هذا المعلم كما هو شأن المساجد الهامة، ولا سيما منها تلك التي تستقبل في صلاة الجمعة والعيدين أعدادا من المصلين تفوق طاقة استيعابها حيزا مهما من قاعة الصلاة. على أن السدة في جامع الباي لم تنشأ عن ضرورات الفضاء، فهذا من احتياجات الجامع المتأخرة، وإنما أملتها بالأساس تقاليد معمارية لازمت مساجد الطراز العثماني وهذا ما ينطبق بالخصوص على السدة الأصلية القديمة في هذا المعلم وتعرف بسدة المؤذنين وقد كانت تسمى قديما سدة الخوجات ومازالت آثار التسمية الأخيرة ما ثلة في المعجم الشعائري المحلي من خلال مصطلح التخويج وهو عبارة عن أدعية تقال عند رفع الأذان لصلاة الجمعة كان الخوجات2 يتولون تلاوتها باللسان التركي في المساجد الحنفية من هذا العلو3 .
تقع سدة الخوجات على غرار نظيرتها بجامع محمد باي المرادي بتونس في الاسطوانة الثانية من قاعة الصلاة عند تقاطع الرواق الثاني الموازي لجدار القبلة مع الرواق الثاني المتعامد غربا مع هذا الجدار نفسه مباشرة قبالة المنبر. يصعد إليها بأدراج خشبية متجهة نحو القبلة ويمتد على مساحة مادتها الخشبية (3.7م × 3.25م) فضاء مزخرف بشرفات على ارتفاع نصف متر حليتها من أوتاد مخروطة مؤطرة. وتتنزل هذه السدة في مستوى أسفل تيجان الأعمدة بحيث تظهر تيجان الأعمدة فوق أرضيتها وهي ترتكز على أعمدة خشبية ارتفاعها ثلاثة أمتار يدعمها مربع من السواري. إنها واحد من العناصر المعمارية الجديدة التي أدخلها الأتراك على عمارة المساجد بالبلاد التونسية لم يكن لها من قبل.
وإذا كان نداء الصلاة الأول يوم الجمعة من كل أسبوع ينطلق من أعلى المئذنة فإن الأذان الثاني الذي ينطلق عند ارتفاع الإمام الخطيب على المنبر يتولى رفعه المؤذن من أعلى هذه السدة ليفسح على إثر ذلك المجال الأذان الثالث والأخير وهو أذان الإقامة الذي يسبق الشروع في الصلاة مباشرة. وإذا كانت بالمسجد سدتان أخريان أولاهما تقع في القسم الجنوبي الشرقي من قاعة الصلاة على امتداد البلاطة السادسة وتحتل ثانيتهما، وهي شمالية الموقع، كامل المسكبة الأخيرة من حرم المسجد جوفا فإنهما لا تثيران الانتباه إلا باختلاف موادهما الإنشائية ومداخلهما، فالأولى خشبية بنفس مواصفات سدة الخوجات ولكن بأبعاد مختلفة يتم الصعود إليها بواسطة مدرج خشبي من داخل بيت الصلاة وهي مخصصة لصلاة الرجال أما الثانية فهي من الخرسانة وقد أجريت عليها تعديلات بحيث أصبح النفاذ إليها يتم رأسا من الطريق العام عبر باب مستقل مما أعطى هذا الفضاء ميسم طابق أول مخصص لصلاة النساء.
II-3-3-6 عناصر مسجدية أخرى :
حينما تدخل المعلم من بابه الجنوبي الشرقي تجد نفسك في البلاطة السادسة التي يغط
Commentaire de [Zouheir B.Youssef] ajouté le 2009-06-25 à
13:11:37
ملاحظات الفترة التاريخية الاسم واللقب
محدّث ت 278/892 أبو أحمد محمد بن محمد
ابن أبي سعيد 1
فقيه بمذهب مالك، حافظ،من أرباب المناظرات ، ترجم له القاضي عياض في ترتيب المدارك ت 329/941 أبو عبد الله
محمد بن غلبون الصنهاجي المعروف بــــ
الوقّـــاد 2
فقيه أشار إليه أبو طاهر الفارسي في مناقب محرز ابن خلف. كان حيا عام
350/961 أبو الحسن
علي بن أبي سعيد 3
محدّث كان حيا عام
350/961 أبو محمد عبد الله
ابن فطيس 4
كلماني ، منطقي كان حيا عام
350/9611 أبو الحسين علي
ابن الصبّاغ 5
فقيه،نحوي،مدرّس القرن 5/11 عبد الجليل بن عبد العزيز
ابن اللجّام 6
فقيه ، مدرّس ،تولى القضاء بتونس ،عاصر ابن حمديس الصقلي القرن 5/11 أبو العباس
أحمد بن عمر بن أحمد الباجي 7
عالم في القراءات اشتهر أمره في اختصاصه حتى لقب بالمقرئ ، قال عنه السلفي في معجم السفر \" كان رجلا صالحا و ينتفع بإقرائه\". ت 520/1126 أبو حفص
عمر بن محمود بن غلاّب
المقرئ الباجي 8
نحوي ،\" له مقول نقاد و ذهن مشتغل وقاد\". كان حيا عام
710 /1310 أبو علي الحسين
ابن محمد
الطبلي 9
فقيه،متصوّف،\"كان شبّان البلد و كهوله يخرجون إليه أخذا للعلم عنه\" . كان حيا عام
688/1289 أبو محمد عبد الله
الهرغي 10
فقيه أصولي محدث منطقي متكلم فرضي حاسب و مصنّف \" كان أقوى أهل زمانه مناظرة\"
ترجم له ابن شاكـــــر الكتبي في فوات الوفيات. ت 714/1314 علاء الدين
أبوالحسن
علي بن محمد
الباجي 11
مدرّس ذكره النباهي ضمن برنامج شيوخه كان حيا في حدود
746/1345 أبو العباس
أحمد بن الرّباعي 12
مدرّس ذكره النباهي ضمن برنامج شيوخه كان حيا في حدود 746/1345 أبو عبد الله
محمد بن هارون 13
فقيه محقق من أهل الدين والفضل و العلم التام ت 779/1377 أبو الفضل السلمي
الباجي 14
فقيه ،نحوي،مدرّس العهد الحفصي أحمد الخزرجي
القلشاني 15
فقيه ،نحوي،مدرّس العهد الحفصي عبد السلام بن أحمد
القلشاني 16
فقيه ،نحوي،مدرّس العهد الحفصي خلف الله بن عبد السلام ابن أحمد
القلشاني 17
فقيه ،نحوي،مدرّس العهد الحفصي محمد بن خلف الله
القلشاني 18
فقيه،إمام،متفنن في العلوم ، عالم بالمنثور و المنظوم. ت 765/1364 عبد الله بن محمد
القلشاني 19
قاض ،مدرّس ،
صاحب الإنشاء ت 837/1433 محمد بن عبد الله
القلشاني 20
قاض،مفت،مدرّس، مؤلّف، له\"تبصرةالأخيـــــــار\"و\"شرح الطوالع\" و\" شرح المختصــر\" ت 847/1443 عمر
ابن محمد بن عبد الله
القلشاني
21
شيخ متزهّـد، مدرّس القرن 9/15 أبو العباس
أحمد بن عبد الله
القلشاني 22
تولى التدريس ببلده ثم انتصب للإقراء بمدرسة المعرض بتونس، ترجم له الرصاع في فهرسه. كان حيا عام 830/1426 أبو عبد الله
محمد الباجي 23
عالم متميز في علم تقسيم المواريث مشارك في غيرها، ترجم له السخاوي في الضوء اللامع. ت 889/1484 ؟ إبراهيم
الباجي
( التونسي لاحقا) 24
عالم في القراءات والرياضيات \" كان على قدم في الاجتهاد والمواظبة على الإقراء و التدريس ...انتفع به كثير \" . ت 891/1486 أبو الحسن علي بن محمد
القلصادي
25
عالم،مدرّس ،ذكره أحمد القلشاني في شرح الرسالة القرن 9/15 أبو العباس
أحمد الوشكي 26
عالم،مدرّس ،ذكره أحمد القلشاني في شرح الرسالة القرن 9/15 أبو عبد الله محمد بن عمران البسكري 27
فقيه ، مدرّس القرن 8/14 أبو محمد عبد الله
الغرياني 28
فقيه ، لغوي،أديب ، مؤلّف من كبار المدرّسين، له \" الغنية\" و \"الشواهد الشعرية\" و\" شرح المختصر\" و \"شرح لامية الأفعال\" و \"الخبر عن معرفة أفعال البشر\" . ت 1030/1621 محمد بن عبد القادر
الـتــــــــواتي
الملقّب بـ
\" سيبويه المغرب\" 29
فقيه ،نحوي،مدرّس
ذكره حسين خوجة في الذيل كان حيا عام 1710 أحمد
السعيّد 30
فقيه ،نحوي،مدرّس
ذكره حسين خوجة في الذيل كان حيا عام 1685 محمد الصغيّر
الخماسي 31
فقيه ،نحوي،مدرّس
ذكره حسين خوجة في الذيل كان حيا عام 1685 محمد
ابن مسعود 32
فقيه ،نحوي،مدرّس
ذكره حسين خوجة في الذيل كان حيا عام 1685 محمد السعدي بن محمد
ا بن مسعود
33
فقيه ،نحوي،مدرّس
ذكره حسين خوجة في الذيل القرن 17 علي
المفتي 34
فقيه،نحوي،مدرّس
ذكره حسين خوجة في الذيل القرن 17 بلقاسم
ابن سليمان 35
فقيه ، نحوي ؛ مدرّس
ذكره حسين خوجة في الذيل كان حيا عام 1685 الشيخ
أحمد الهميسي 36
عدل ، مدرّس القرن 17 علي
الأوراسي 37
مشارك في العلوم ، مدرّس ذكره حسين خوجة في الذيل
كان حيا عام 1700 عثمان
الأوراسي 38
مدرّس
ترجم العياضي الباجي في مفاتح النصر. كان حيا عام 1734 علي الشريف
الطويل 39
قاضي المحلّة، مدرّس،\" بلغت الروايات عنه حدّ التواتر\"
ترجم له الوزير السراج في الحلل السندسية. ت قبل 1731 صالح بن محمد
المغراوي 40
مدرّس ، شيخ المدرسة الباشية بتونس ،منطقي ، مـــــؤلّف له \" كشف اللثام\". كان حيا عام 1756 مسعود بن محمد
المغراوي 41
عدل ، مدرّس ، إمام خطيب يلقب بكنز العلوم. كان حيا عام 1731 احميدة بن علي بن محمد
المفتي 42
عدل ،فقيه ، مدرّس ت 1705 أحمد بن محمد
الكديسي 43
عدل ، فقيه ، نحوي، مدرّس \" تخرّج عليه خلق\". كان حيا عام 1725 عمر بن أحمد
الكديسي 44
عدل ،فقيه ، مدرّس كان حيا عام 1172/1758 أحمد بن عمر بن أحمد
الكديسي 45
فقيه ، مدرّس ت 1739 أبو عبد الله محمد
ابن عمران 46
\" له درس عظيم مدحه النـــاس و أثنوا عليه\". كان حيا عام 1735 أبو العباس
أحمد بن عمران
47
فقيه ، نحوي ، محدّث
\" له درس عظيم و تخرّج عليه خلق كثير \" . القرن 17 محمد المغربي
البصير 48
لغوي ،منطقي ، شاعر ، مدرّس \" كان فقيها له اليد الطولى في العلوم العربية متقدما في فنّ المنطق\". ارتحل إلى مصر حيث أجازه علماؤها ثم استقر بتونس حيث \"لازم بث العلم بجامع الزيتونة \". كان حيا عام
1740 أبو الإقبال مسعود
الباجي 49
عدل، نحوي ، فقيه ، متكلّم مدرّس كان حيا عام 1706 محمد بن جمال الدين
ابن عبد القادر
المغراوي
50
قاضي المحلّة ،
مدرّس كان حيا عام 1731 أبو العباس
أحمد بن نورالدين
51
قاض، فقيه،عالم،مدرّس ،عزل عن القضاء عام1695 كان حيا عام 1107/1695 أبو عبد الله
محمد بن محمد ابن عبد القادر
التواتي 52
محدّث ، نحوي ، توحيدي، متصوف ، مدرّس القرن 17 أبو عبد الله محمد
بن محمد بن محمد التواتي
المحدّث 53
قاض ، فقيه ، نحوي ، محدّث ، مدرّس كان حيا عام 1150/1737 محمد العربي بن محمد
ابن محمد بن محمد التواتي
54
فقيه ، مدرّس ت 1705 أحمد بن موسى
القوسي 55
عدل ، فقيه ، مدرّس كان حيا عام 1746 أحمد
الغاوي 56
قاضي المحلّة ، مدرّس 1679 ـ 1750 أبو الحسن
علي شعيب 57
فقيه ، عدل ، مدرّس ( 1700 ـ 1740) ابراهيم بن علي
شعيب 58
فقيه ، عدل ، مدرّس
ترجم له ابن يوسف في المشرع الملكي كان حيا عام 1740 أحمد بن علي
شعيب 59
عدل ، مدرّس كان حيا عام 1758 محمد العربي
المغراوي 60
قاض ، مدرّس ، راو، محدّث كان حيا عام 1783 أبو الحسن
علي الأصفر 61
عدل ، مدرّس كان حيا عام 1786 مختار
الأصفر 62
عدل ، مدرّس كان حيا عام 1220/1805 حمودة
الأصفر 63
عدل ، مدرّس كان حيا عام 1735 محمد العياضي
ابن محمد الشريف الشوثري 64
عدل ،قارئ،فقيه،مدرّس كان حيا عام 1150/1737 علي بن رمضان القيسي
عرف
علي بومعزة 65
قاض ، مدرّس، محدّث كان حيا عام 1767 محمد الصغير بن محمــد العربي بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد القــــادر
التواتي
66
عدل ، مدرّس كان حيا عام
1188/1775 أحمد
ابن مبارك 67
عدل ، مفت ، مدرّس كان حيا عام 1783 أبو العباس
أحمد بن ابراهيم
الصمادحي 68
مدرّس كان حيا عام 1219/1804 الحاج ( أحمد ) البلاقي
عدل ، مفت ،مدرّس كان حيا عام 1808 أبوعبد الله محمد
دردور 69
قاض ،محدّث ، راوية ،فقيه ،فرضي ، متصوّف مدرّس كان حيا عام 1808 أبو عبد الله محمد
المغراوي 70
عدل ، محدّث ، مدرّس كان حيا عام 1220/ 1805 عبد السلام
الغاوي 71
عدل ، مدرّس كان حيا عام 1804 احميدة بن علي
القشّون 72
عدل،فقيه، مدرّس و إمام خطيب كان حيا عام 1235/1820 محمد بن عبد القادر
المغراوي(1)
عدل ، مدرّس كان حيا عام 1820 أحمد
العــــــوادي 73
عدل ، مدرّس كان حيا عام 1227/1811 أبو محمد
عبد الفتاح
الخليع 74
ذكره محمد المنزلي في قصيدته مدحة رجال باجـــــــــــة ضمن
\" شيوخ العلم \" كان حيا عام 1227/1812 محمد صالح
الخليع 75
قاض، مدرّس،محدّث و مفت، كان مباشرا للتدريس منذ عام1251/1835 . ت1284/1866 أبو عبد الله
محمد بن حسين 76
مدرّس، محدّث، راوية،كبيــر أهل الشورى.كان مباشرا للتدريس منذ عام1837 ت 1266/1848 أبو الحسن
علي السعيّد 77
قاض ، مدرّس، \" دارهم دار علم و ديانة وسياسة و أمانة\" كان حيا عام 1850 أحمد
السعيّد 78
قاض، مـــدرّس،تحدث ابن أبي الضيــاف في إتحافه عن دوره في أحــــــــداث ثورة 1864 ت 1292/1875 أبو عبد الله
محمد بن أحمد
السعيّد
79
عدل ، مدرّس ، كان مباشرا للتدريس منذ 1235/1820 ت 1266/ 1848
أبو الثناء
محمود التواتي 80
مدرّس ت1273/1855 امحمد الغاوي
مدرّس ت 1299/1881 محمد بن يوسف
الحنفي
عدل،مفت،
مدرّس( 1845-1882) ت 1300/1882 عثمان
الشوّاشي 81
عدل،مدرّس ت 1276/1858 محمد بن عثمان
الكافي 82
عدل ، إمام ، مدرّس
\" خادم العلم الشريف\" ت 1898 محمد صالح بن أحمد
الأصفر 83
عدل،شيخ زاوية، مدرّس،باش مفتي ت 1293/1877 عبد القادر بن مختار
المغراوي 84
مدرّس ، باش مفتي ت 1305/1887 محمد
المغراوي
مدرّس ، شيخ زاوية ،
باش مفتي ت1906
محمد بن عبد القادر
ابن مختار
المغراوي(2) 85
قاض ،إمام خطيب، مدرّس كان حيا عام 1301/1884 حسن
ابن ابراهيم 86
عدل ، مدرّس ، إمام خطيب ت 1941 محمد صالح بن مصطفى
الخبثاني 87
عدل ، مدرّس ،إمام خطيب ت 1943 محيي الدين بن محمد ابن محمد بن أحمـــد
السعيّد 88
عدل،\" من أشهر الحفاظ \"، مدرّس مختص في علم القراءات ت 1943 بلقاسم بن محمد
النافع 89
عدل،إمام خطيب،مدرّس من الطبقة الأولى كان حيا عام 1956 بلقاسم بن الطاهر
السنوسي 90
عدل،مدرّس متميّز في علم القراءات، إمام خطيب كان حيا عام 1957 عمربن أحمد
شويخة 91
عدل ،مدرّس، يلقّب بالعلاّمة كان حيا عام 1957 محمود بن يونس
البلاقي 92
مدرّس يحمل شهادة العالمية اختصاص أدبي ت 1974 محمد بن عباس بن يوسف الكافي
93
مدرّس وإمام خطيب يحمل شهادة العالمية اختصاص شرعي،مؤلّف، له\" تسهيل التفسير لمحكم آيات التنزيل\" 1919-2000 الصادق
ابن محمد الأخضر بن العربي
بلخير 94
مدرّس من الطبقة الثانية، متحصّل على السنة الثانية من شهادة العالمية ،أول مدير للفرع الزيتوني 1946 1916-1992 سعد عثمان
ابن محمد بن الحاج ابراهيم
اللموشي 95
مدرّس ، متطوّع بالفرع الزيتوني ت 1995 محمد محسن بن صالح الطبوبي 96
مدرّس ، متطوّع بالفرع الزيتوني ت 1975 محمد الشاذلي
الشافعي 97
مدرّس ، متطوّع بالفرع الزيتوني ت 1992 محمد بن يوسف
الدخلي 98
مدرّس ، متطوّع بالفرع الزيتوني كان حيا عام 1946 فرحات بن بلقاسم
الغانمي 99
مدرّس بالفرع الزيتوني كان حيا عام 1946 امحمد
شمّام 100
مدرّس بالفرع الزيتوني كان حيا عام 1980 عبد العزيز
العكرمي 101
مدرّس متطوّع بالفرع الزيتوني،إمام خطيب بجامع المزارة منذ 1998 مولود عام 1930 محمد بن خميّس بن محمد
ابن عبد الله سومر 102
مساعد على التعليم
بالفرع الزيتوني كان مباشرا عام
1955 عبد العزيز بن الطيب
ابن أحمد الأدب 103
مدرّس متطوع
بالفرع الزيتوني كان مباشرا عام 1954 الهادي براهم 104
مدرّس متطوع
بالفرع الزيتوني كان مباشرا عام 1955 الحبيب شاكير 105